اكتشاف الآلية التي يؤثر بها قرين الإنسان من الشيطان عليه في الوسواس والسحر والتلبس الجزء( الرابع)


المرجع ( 11)
كيف يتحول السمع والبصر والفؤاد والشم والذوق إلى كهرباء في الدماغ ؟
في الحقيقة أن أعضاء الحس المختلفة التي خلقها الله سبحانه وتعالى للإنسان تقوم بتحويل الأنواع المختلفة من الطاقة إلى طاقة كهربائية بشدة وتردد معين يتم توليدها في داخل الخلايا العصبية التي رأينا كيف تعمل بشكل كهربائي كيميائي
فمثلا عندما ننظر إلى تفاحة مثلا فإن ألوان التفاحة وشكلها وحجمها ينطبع على شبكية العين التي تعتبر خلايا عصبية متطورة تقوم بتحويل الطاقة الضوئية بتردداتها الواردة من التفاحة إلى طاقة كهربائية تسري في العصب وتتولد في الخلية العصبية بسبب حركة الشحنات , بشدة معينة ودرجة معينة يفهمها العصب هي نفس الدرجة التي تنبهت بها الشبكية أصلا , وينتقل التنبيه عبر المسار العصبي من خلية عصبية إلى خلية عصبية أخرى بنفس الطريقة التي ذكرناها سابقا بإزالة الاستقطاب بواسطة الصوديوم وانطلاق الكالسيوم وانطلاق النواقل العصبية , إلى أن يصل التنبيه إلى منطقة البصر الموجودة في القسم الخلفي من الدماغ , فتكون شدة التنبيه في هذه الخلايا العصبية الموجودة في القسم الخلفي من الدماغ وتحديدا في قشر الدماغ الخلفي ,وكذلك كمية النواقل العصبية التي أطلقت في الخلايا العصبية لهذه المنطقة والكيفية التي تم التنبيه فيها هو الذي يحدد أن ما تم رؤيته هو تفاحة بشكلها المعروف وحجمها وكذلك لونها , وهو الذي يعطي مفهوم التفاحة
وكذلك يحدث تماما عند سماع صوت معين , فإن هذا الصوت يهز غشاء الطبل بتردد معين وتنتقل هذه الترددات إلى الإذن الوسطى ومن ثم الداخلية , وتقوم الأذن بتحويل الترددات الصوتية إلى تنبيهات كهربائية كيميائية في العصب السمعي بنفس الطريقة السابقة تماما , وتكون كمية الترددات والتنبيهات المتولدة في العصب السمعي وفي المسار السمعي العصبي وكذلك كمية النواقل العصبية هي التي تحدد نوعية الصوت وشدته وقوته , وإذا ما كان حادا أم خشنا , ويستقبل ذلك كله منطقة السمع الموجودة في قشر الدماغ .
وبنفس الطريقة يحدث الشم , وبنفس الطريقة يحدث التذوق , وبنفس الطريقة يحدث اللمس والإحساس بالحرارة والبرودة .
وبنفس المبدأ هذا ككل تحدث حتى التخيلات والتفكير والتصورات والتأمل والانفعالات المختلفة . ( المرجع 12) .
ولكن يأتي السؤال هنا : ماذا لو لم يكن هناك منبها حقيقيا , بصريا أو سمعيا مثلا , وجاء أحدهم ونبه الخلية العصبية الموجودة في قشر الدماغ في منطقة البصر أو في منطقة السمع أو التفكير أو التخيل أو التأمل بتردد معين وبشدة معينة بالرغم من عدم وجود منبه حقيقي في الحواس , البصر أو السمع أو ما يثير التفكير أو التأمل أو التخيل , وأدى ذلك إلى إطلاق النواقل العصبية بكمية معينة وتنبيه معين في مناطق الدماغ المختلفة , فماذا سيحدث ؟
في الحقيقة أن الدماغ وأن الشخص في الحقيقة سيشعر بأنه يرى شيئا ترس

م صورته في الدماغ حسب شدة ونوع التنبيه الذي حدث في الخلية العصبية , دون أن يكون حقيقة هذا الشيء موجود أمام عينيه نهائيا أو قد يسمع صوتا حسب شدة التنبيه ونوعه الذي حدث في الخلية العصبية في منطقة السمع من قشر الدماغ دون أن يكون حقيقة هناك صوتا أصدر أو تحدث أمام أذنه , أوقد يحس بأشياء مختلفة عند تنبيه المناطق الحسية أو التخلية أو التأملية في المخ , علما بأن هذا الشيء الذي يراه غير موجود حقيقة , وكذلك هذا الصوت الذي يسمعه غير موجود , وكذلك الشيء الذي يحسه غير موجود أيضا وكذلك الشيء الذي يفكر فيه أو يتأمله لم يكن موجودا ليحدث مثل هذا التنبيه , وفي الحقيقة أن هذا هو ما يعرف باسم الهلوسة , فإذا كان الشخص يرى غير الموجود فهذه تعرف باسم الهلوسة البصرية , وإذا كان يسمع صوتا غير موجودة فهذه تعرف باسم الهلوسة السمعية , وإذا كان يشم شيئا غير موجود فهذه تعرف باسم الهلوسة الشمية , وهناك أنواع أخرى من الهلوسات المختلفة ومنها الذوقية والحسية وغيرها .
الأدوية والعقاقير تجعلك ترى وتسمع وتشم وتحس ما هو غير موجود .
نعم في الحقيقة أن هناك مجموعة خاصة من الأدوية التي تؤثر على الجهاز العصبي المركزي تعرف باسم المهلوسات وعلى رأسها مركب LSD و PCP ( الفينيل سكليدين )
ويكفي أن نعرف بأن مركب ال LSD وهو من أشهر المهلوسات فهذا النوع من الأدوية يقوم بالتأثير على الخلايا العصبية الموجودة في الدماغ وفي معظم مناطق المخ السمعية والبصرية والشمية والإدراكية والتخلية واللمسية وغيرها , فهو يقوم بإحداث إزالة الاستقطاب في هذه الخلايا العصبية وتنبيهها وهو يطلق من النهايات العصبية أنواعا مختلفة من النواقل العصبية في داخل الدماغ في مناطق مختلفة , فيؤدي هذا الإطلاق للنواقل العصبية في الخلايا العصبية إلى أن ينبهها دون أن يكون هناك منبه خارجي حقيقي , فيحدث نتيجة لذلك مجموعة من الهلوسات الخطيرة , منها أن يرى الإنسان الاشياء بغير أشكالها ولا أحجامها و يصبح عنده تغير الاستجابة للمنبهات , فالأصوات بالنسبة لمن يتعاطى هذا العقار تصبح ألوانا , والألوان روائح , والروائح تصبح ملمسا مختلفة وهكذا , ويصبح لديها هلوسات سمعية بأن يسمع أصواتا وأشخاصا يتكلمون إليه غير موجودين , وكذلك إحساسات لمسية بأن يرى أو يتخيل أفاعي تهاجمه أو تمشي عليه دون أن تكون موجودة حقيقة , ويشعر المصاب بذلك بأنه ليس نفسه وبأنه ليس هو , كما أنه يفقد القدرة على الإدراك والتمييز والمحاكمة العقلية ولكن لعل أهم الأعراض التي تترافق مع ذلك هو شعور المريض بالاكتئاب أو القلق والخوف الشديد أو الشعور بالفخر والعظمة وغير ذلك من المشاعر المختلفة التي يمكن أن يشعر بها المريض .
ومن خلال بحثنا الذي أجريناه على أكثر من ثمانية آلاف مريض على مدى سبع سنوات بفضل الله توصلنا بأن الذي يؤثر على التنبيهات الموجودة في المحاور الأسطوانية للخلايا العصبية , وكذلك شدة تنبيها وما يتبع ذلك من انطلاق للنواقل العصبية هي أربعة عوامل طبيعية ( لم تحسب المهلوسات والأدوية النفسية لأنها مواد صناعية وليست طبيعية ) وهي تؤثر على مقدار التنبيه المتولد في الخلية العصبية وفي محورها وفي كمية الصوديوم والبوتاسيوم والكالسيوم التي تنتقل عبر جدار الخلية العصبية وكذلك كمية النواقل العصبية التي تنتقل وتنطلق بين المشابك العصبية ومن ثم نوع التنبيه وكيفيته الذي يحدث ويشعر به الإنسان نتيجة لهذا التنبيه .
النواقل العصبية وشحنات الدماغ تحت سيطرة أربعة مخلوقات لله سبحانه .
أولا : المخلوق الأول نفس الإنسان :
في الحقيقة أن المنبه الرئيس والأقوى لمناطق الدماغ المختلفة وتحديدا لمناطق قشر الدماغ وليس المناطق الباطنية في داخل الدماغ , ومناطق قشر الدماغ هي التي تسمع وتتخيل وترى وتلمس وتتحرك وتتخذ القرار وتنفعل وتحاسب وتحزن وتفرح , هي نفس الإنسان التي تنفذ ما تريده وما تختاره من خلال مناطق الدماغ المختلفة فهي تستطيع أن تنبه المناطق المختلفة فهي التي تأمر الخلية العصبية لتعطي التنبيه الكهربائي بمقدار معين وشدة معينة ومن ثم فإنها تطلق النواقل العصبية في منطقة معينة في الدماغ , وحسب المنطقة التي تم التنبيه فيها فهي تحرك يدا مثلا أو تمشي رجلا أو تتخيل تخيلا أو تسمع صوتا أو تتخذ قرارا أو تشم رائحة أو تضرب معتديا , وهكذا
' وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ( 16) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ ( 17) مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ( 18) سورة ق.
ولاحظوا في السورة أنها تشير أن الوسوسة , وهي كما قلنا حديث النفس والذي يحدث نتيجة تنبيهات في الخلايا العصبية وإطلاق للنواقل العصبية في بعض المناطق في قشر المخ , وهي في الحقيقة الفص الجداري في الطرفين يحدث حديث النفس لأنه منطقة الخيال والبعد الثالث والعلوم ما وراء الطبيعية , والآية توضح أيضا بأن هناك رقابة من اليمين ومن اليسار , ووالله أعلم أن هذه الرقابة تكون من الملائكة في مناطق المخ وخصوصا منطقتي الفص الجداري على اليمين وعلى اليسار , والله أعلم , ولاحظوا في بقية الآيات أيضا أن النفس هي التي تعطي الأمر بالتكلم ' مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ( 18) سورة ق.
وهذه النفس تعطي أوامرها للجهاز العصبي وتؤثر في تنبيهاته وفي إزالة استقطابه وكذلك في إطلاق النواقل العصبية مما يؤدي إلى أن ينفذ الجهاز العصبي أفعالا قد تعتبر سيئة وغير مقبولة لدى الآخرين أو عند الله سبحانه وتعالى ' وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ( 7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ( 8) سورة الشمس , ونرى أمر النفس للجهاز العصبي بفعل السوء أيضا في موضع آخرفي القرآن ' وَمَا أُبَرِّىءُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ ( 53) يوسف .
وقد يكون تنبيه النفس للخلايا العصبية بحيث إنها تنفذ أمرا باللوم والندم على فعل شائن وغير مضبوط قامت به فيما سبق من أمر بالسوء ' لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ ( 1) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ ( 2) القيامة
طبعا نحن لا نعرف أين تسكن النفس وكيف تؤثر على الجهاز العصبي , وكيف تؤثر على عملية إزالة الاستقطاب وانطلاق النواقل العصبية , ولكنني في الحقيقة أعتقد بشكل قوي أنها تؤثر على منطقة قشر الدماغ تحديدا وذلك للأسباب التي سترد فيما بعد حيث سنتحدث عن هذا بالتفصيل إن شاء الله .
ثانيا : المخلوق الثاني الموجات الكهرومغناطيسية
لقد تحدثنا في الحقيقة عن آلية عمل الخلايا العصبية ووجدنا أن التنبيه يتم فيها من خلال ذرات الصوديوم والبوتاسيوم والكالسيوم المشحونة , وأن التنبيه القوي يؤدي إلى زيادة عدد الذرات المشحونة من الصوديوم والبوتاسيوم وكذلك الكالسيوم التي تعبر عبر جدار الخلية وهذا بدوره يؤدي وبشكل مباشر إلى زيادة التأثير على كمية النواقل العصبية التي تنطلق عبر المشابك العصبية والتي تحدد شدة التنبيه وشدة الاستجابة بناء على هذه الكمية المنطلقة .
ونظرا لأن هذه الذرات المشحونة تتأثر وبشكل كبير بالتيار الكهربائي وبشكل كبير( هذا مبدأ فيزيائي معروف يتمثل بأن وجود تيار كهربائي أو مجال كهرومغن

اطيسي يحيط بالعناصر المشحونة فإنه يؤدي إلى تحرك هذه الشحنات تحت تأثير هذا المجال الكهربائي أو الكهرومغناطيسي , وفي الحقيقة أن تحريك شحنات الصوديوم والبوتاسيوم والكالسيوم المشحونة والموجودة في الدماغ , سيؤدي إلى حدوث تنبيه في هذه الخلايا العصبية وإطلاق النواقل العصبية من نهايتها , وإن النواقل العصبية نتيجة لذلك تتأثر وتنطلق بدرجة متناسبة تماما مع درجة تأثير المجال الكهرومغناطيسي أو التيار الكهربائي على العناصر المشحونة من صوديوم وبوتاسيوم وكالسيوم , ومن هنا كان استخدام العلاج بالصدمات الكهربائية الدماغية لكثير من الأمراض النفسية التي تنخفض فيها النواقل العصبية كما رأينا في الجدول السابق , وبعد الدراسات وجد العلماء أن هذه الصدمات الكهربائية بالموجات الكهربائية الكهرومغناطيسية تعطي نتيجة جيدة نتيجة إعادة تنظيم كمية العناصر المشحونة التي تعبر عبر جدار الخلية العصبية ومن ثم تنظيم النواقل العصبية التي تختل بشكل كبير في الأمراض النفسية المختلفة , مما يحقق التحسن بشكل جيد عند بعض المرضى , ( المرجع 14)
فالقاعدة الكيميائية تخبرنا بأنه إذا مررنا تيارا كهربائيا في محلول يحتوي على شحنات , فإن الشحنات السالبة في هذا المحلول تتجه نحو القطب الموجبة في حين أن الشحنات الموجبة تتجه نحو القطب السالب ( المرجع 4) تحت تأثير المجال الكهرومغناطيسية للمحلول , ولعلنا ما زلنا لم ننس بعد أن شحنات العناصر من الصوديوم والكالسيوم والبوتاسيوم التي تتحكم بكهربائية الدماغ هي تسبح في سيتوبلازما الخلية في السوائل التي تحيط بالخلية من الخارج , ولعلنا لم ننس بعد أيضا دور الماء في شحن هذه العناصر وتوجيهه لها في عملية شحنها , ولو شحنها هذا بالماء لما كانت العناصر قادرة على القيام بأي تفاعل حيوي , ومن هنا كان قول الله سبحانه وتعالى ' وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ ' (30) الأنبياء
كيف يؤثر الشيطان بطبيعته الكهرومغناطيسية على النواقل العصبية للإنسان ؟
غير أنني أعتقد بأن الشيطان يستطيع وبشكل علمي مباشر أن يؤثر على الشحنات الكهربائية المتولدة في المحاور الاسطوانية للخلية العصبية ومن ثم فإنه يستطيع أن يؤثر على النواقل العصبية , فكيف هذا ؟
العداوة بين إبليس وآدم
لقد بدأت القصة منذ فجر التاريخ عندما كرم الله سبحانه وتعالى آدم بأن خلقه سبحانه وتعالى بيديه , وأذكر هنا بأننا لا نعرف كنهة يدي الله سبحانه وتعالى ولا يجوز لنا أصلا أن نفكر فيها , وفي كيفيتها , لأن الله سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء ' قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ ' (75) سورة ص , وعن ابن عمر، قال: خلق الله أربعة بيده: العرش، وعدن، والقلم، وآدم، ثم قال لكل شيء كن فكان ( تفسير الطبري ) ( المرجع 15) , وقال بعض المفسرون هنا أن الله خلقه بيديه أي بقدرته وقوته سبحانه وتعالى ولكن دون واسطة .
وكرم الله سبحانه وتعالى آدم مرة أخرى بعد أن كرمه في المرة الأولى بخلقه بيديه سبحانه , بأن جعل الملائكة تسجد له ' وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ ' ( 11) الأعراف .
وفي الحقيقة أن هذا التكريم الذي أولاه الله سبحانه وتعالى لآدم بخلقه بيديه سبحانه , وبأن أمر الملائكة لتسجد له , جعلت مخلوقا آخر كان يعرف وقتها باسم طاووس الملائكة وهو إبليس الذي خلقه الله سبحانه وتعالى من الجن , وكان أكثر أهل الجن عبادة وطاعة لله على وجه الكرة الأرضية كلها , فكرمه الله سبحانه وتعالى بأن رفعه مع الملائكة ليعبد معهم ويتقرب إليه سبحانه , وكان يباهي به الملائكة , ويفاخرهم به , لا لشيء إلا لأنه مخلوق يحمل الخير والشر , وهم مفطورين على الخير فقط , ومع ذلك فهو ينافسهم في الاعمال الخيرية والتقرب إلى الله والعبادة والطاعة , فكان في تلك المنافسة أفضل منهم بالرغم من أن فيه الخير والشر , غير أن الشر الموجود عند إبليس وتلك الضغينة التي فيه بطبيعته التي هي من الجن , جعلته يغتاظ من هذا المخلوق الذي كرمه الله سبحانه وتعالى بأن خلقه بيديه أولا وبأن جعل الملائكة تسجد له ثانيا , وقد كان واضحا هذا الغيظ بشكل كبير في قول إبليس لعنه الله ' قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ ' ( 62) الإسراء , وإن من هذا الغيظ بدأت العداوة بين الإنسان والشيطان , فخلق آدم وتكريمه مرتين ' وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ' (70) الإسراء , إضافة إلى غيظ إبليس من هذا المخلوق المكرم من قبل الله مرتين ومخالفة إبليس عن أمر الله وطاعته بالسجود لهذا المخلوق كان السبب الرئيس والمباشر في طرد إبليس من رحمة الله ' قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ ( 34) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ ' ( 35) الحجر
ويصف لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم , هذا الغيظ الذي جعل في الحقيقة إبليس يطيف بآدم ويدور حوله ويتفحصه وهو في مرحلة الصلصال ' فعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لما صور الله آدم في الجنة تركه ما شاء الله أن يتركه فجعل إبليس يطيف به ينظر ما هو فلما رآه أجوف عرف أنه خلق خلقا لا يتمالك ' رواه مسلم .( المرجع 16) .
وقد ورد في تفسير القرطبي : ثم أمر بتربة آدم فرفعت فخلق الله آدم من طين لازب واللازب : اللزج الصلب من حمأ مسنون - منتن قال : وإنما كان حمأ مسنونا بعد التراب قال : فخلق منه آدم بيده قال فمكث أربعين ليلة جسدا ملقى فكان إبليس يأتيه فيضربه برجله فيصلصل أي فيصوت قال : فهو قول الله : { من صلصال كالفخار } ( الرحمن : 14 ) يقول : كالشيء المنفوخ الذي ليس بمصمت قال : ثم يدخل في فيه ويخرج من دبره ويدخل من دبره ويخرج من فيه ثم يقول : لست شيئا للصلصلة ولشيء ماخلقت لئن سلطت عليك لأهلكنك ولئن سلطت علي لأعصينك ' ( المرجع 17) .
ولاحظوا الغيظ الذي كان يكتنف إبليس من هذا المخلوق الذي خلقه الله سبحانه وتعالى بيديه وكرمه بذلك التكريم الأول إذ خلقه بيديه سبحانه حتى قبل أن ينفخ فيه الروح إذ إن التكريم الثاني بسجود الملائكة له كان بعد نفخ الروح ' وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ ( 28) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ ( 29) الحجر
فغيظ إبليس كان بركل هذا المخلوق برجله كما أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث , وكأنه بذلك يحاول أن يهينه ويستعلي عليه , والغيظ الثاني كان واضحا عندما عمل إبليس جولة في داخل جسم آدم وهو صلصال , وقال ' لإن سلطت عليه لأهلكنه , ولإن سلط علي فلأعصينه ' ( المرجع السابق )
وفي الحقيقة أن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم يضعنا أمام تساؤلات علمية هامة وضخمة أولها , كيف استطاع إبليس أن يدخل من في آدم ويخرج من دبره ؟ وأين كان يسير في جسم آدم ؟
إبليس من الجن وخلقه الله من نار ذات الطبيعية الكهرومغناطيسية
فمن الواضح أن طبيعة إبليس إذ

خلقه الله سبحانه وتعالى من نار , هي التي مكنته من اختراق جسم آدم والله أعلم ( وسنفصل في هذ النقطة فيما يلي بشكل كبير إن شاء الله ) , وقد ورد ذلك في القرآن أن الله سبحانه وتعالى قد خلق إبليس من النار ' قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ ' (12) الأعراف .
فالنار وكما هو معلوم فيزيائيا تتكون من حرارة وضوء , وما الحرارة والضوء إلا موجات كهرومغناطيسية , وهذا مثبت علميا تماما ولا مجال للشك فيه أبدا , فكيف إذن يمكن للموجات الكهرومغناطيسية أن تخترق جسم الإنسان ( المرجع 3) .
وهذا في الحقيقة يقودنا إلى السؤال التالي ؟ كيف دخل إبليس إلى داخل جسم آدم , وما الآلية التي فعل بها ذلك ؟ , ولماذا قال بعد هذه الجولة في داخل جسم آدم لإن سلطت عليه لأهلكنه ولأن سلط عليّ فلأعصينه , فما الذي رآه إبليس بتركيبه الناري وفي تركيب آدم الطيني ما يجعله يقول هذاالقول , لا سيما أن إبليس وحسب ما ورد في تفسير الطبري كان عالما وذو علم كبير عظيم فعن ابن عباس قال: كان اسمه ( أي إبليس ) قبل أن يركب المعصية عزازيل، وكان من سكان الأرض، وكان من أشد الجن اجتهادا وأكثرهم علما، فذلك هو الذي دعاه إلى الكبر( المرجع 17)
للإجابة على هذا السؤال دعونا ندخل في بعض هذه الحقائق العلمية
مسارات الطاقة في داخل جسم الإنسان يقوم عليها مباديء الطب الصيني
لقد أثبت العلم الحديث أن هناك مسارات في الطاقة في جسم الإنسان , وقد أثبت وجود هذه المسارات علميا , وهناك علوم كاملة ومدارس كاملة مثل مدرسة الوخز بالإبر الصينية قائمة على مبدأ وجود هذه المسارات في الجسم والتي تنتهي في قزحية العين وفي الأذن وفي راحة اليدين وفي الأخمصين , وفي الحقيقة أن تدليك نهايات المسارات هذه سواء أكان ذلك باليدين أو الرجلين ( في علم المنعكسات ) , وتدليك الأذن كما يفعل المسلم في الصلاة وكما يفعل الطبيب الصيني عندما يخز الأذن بمجموعة من الإبر , وقراءة القزحية بواسطة المصباح الشقي ما هو إلى قراءة أو تنشيط لمسارات الطاقة هذه والتي أثبت الطب الحديث صحتها , وأصبحت هذه العلوم معترف بها في الدول الغربية ولها تراخيص لمزاولتها , وليس هذا فقط , فالنجاحات المذهلة لعلاج الأمراض المزمنة من أمثال الشقيقة والتهاب المفاصل والتهاب القولون والإقلاع عن التدخين وإجراء العمليات الجراحية الضخمة والولادة من خلال الوخز بالإبر الصينية , يؤكد وجود مثل هذه المسارات عند الإنسان وصحة استخدامها , لدرجة أصبح معها من ينكر وجودها كمن ينكر وجود الشمس في وضح النهار .