كيف جمعت السنة؟





لم يكن العرب أيام النبي-صلى الله عليه وسلم- أهل قراءة وكتابة, بل كانوا أميين, يقول الله-سبحانه-: "هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته" (الجمعة 2)
ويرجع ذلك إلى أمور كثيرة, منها فقرهم, وضعف مواردهم, وطبيعة حياتهم الصحراوية التي لم تقم معها حضارة مرموقة, أضف إلى ذلك ندرة أدوات الكتابة ووسائل التعليم في ذلك الزمان البعيد.
ولأن الحاجة هي أم الاختراع كما يقال, فقد تكيف العرب مع هذا الوضع ولجأوا إلى ذواكرهم (جمع ذاكرة) ينقشون فيها تاريخهم وأنسابهم وأشعارهم حتى لا تضيع مع مرور الزمان, من أجل ذلك فقد حباهم الله-عز وجل- بذاكرة قوية وحافظة لا يند عنها شيء, حتى يستطيعوا ملائمة الظروف التي وجدوا فيها, وحتى يهيئهم لاستقبال أنوار الوحي الإلهي, حيث وقع الاختيار عليهم ليكونوا حملة مشاعله ودعاة الناس إليه.
ونحن نتحدث عن تدوين السنة النبوية, سنجد أن هذه الذاكرة القوية التي حبا الله بها العرب كان لها دور في هذا التدوين, وقد مر تدوين السنة المشرفة بمراحل أهمها:
*في بداية الدعوة المحمدية نهى النبي-صلى الله عليه وسلم- أصحابه عن كتابة شيء مما يقول إلا القرآن, خشية أن يختلط القرآن الكريم بحديثه -صلى الله عليه وسلم- , فقد كان حريصا على نقاوة الوحي الإلهي, على الرغم من مكانة الحديث النبوي الشريف إلا أنه كان مهتما بأن يعي المسلمون حقيقة الفرق بين القرآن والحديث وأن القرآن مقدم على كلامه-صلى الله عليه وسلم- مع العلم بوجوب العمل بكل منهما, لكن لهذا الفرق أهميته في الاستدلال, روى مسلم في صحيحه أن النبي-صلى الله عليه وسلم- قال: "لا تكتبوا عني, ومن كتب عني غير القرآن فليمحه, وحدثوا عني ولا حرج"
والنهي عن الكتابة هنا موجه لمن كان يعرف الكتابة من صحابة النبي-صلى الله عليه وسلم- في هذا الوقت وقد كان عددهم قليلا.
وكما في هذا الحديث فإن النبي-صلى الله عليه وسلم- أمرهم بأن يحفظوا حديثه وأن ينشروه, بل دعا لمن يحفظ حديثه ويبلغه غيره "نضر الله امرءا سمع منا مقالة فوعاها فأداها كما سمعها" (

لذلك انبرى صحابة النبي-صلى الله عليه وسلم- لحفظ حديثه وتبليغه, وما كان أسهل ذلك عليهم لقوة حفظهم التي تحدثنا عنها, وهكذا كانت هذه هي المرحلة الأولى من مراحل تدوين السنة حفظا لا كتابة, وذلك في بداية دعوته-صلى الله عليه وسلم-

*وبعد مرور نحو عشرين عاما من دعوته-صلى الله عليه وسلم- كان المسلمون قد أشربوا وأدركوا الفرق بين القرآن والحديث الذي هو السنة, بدأت مرحلة جديدة من تدوين الحديث الشريف, فبدأ بعض صحابة النبي-صلى الله عليه وسلم- الذين عرفوا بالكتابة وعلى رأسهم عبد الله بن عمرو بن العاص-رضي الله عنهما- في كتابة ما يقول النبي-صلى الله عليه وسلم- من أحاديث وكان له صحيفة يكتب فيها تسمى (الصادقة) وقد روى البخاري في صحيحه أن أبي هريرة-رضي الله عنه- قال:
(ما من أحد أحفظ مني لحديث رسول الله-صلى الله عليه وسلم- ولا أكثر مني رواية له غير عبد الله بن عمرو بن العاص, لأنه كان يكتب كل ما يسمع من النبي-صلى الله عليه وسلم- ولم أكن أكتب)

*توفي النبي-صلى الله عليه وسلم- وأحاديثه محفوظة في صدور أصحابه, وقد دون بعضها عبد الله بن عمرو بن العاص كما رأينا وغيره مثل أنس بن مالك وجابر بن عبد الله-رضي الله عنهم أجمعين- وأخذ الصحابة ينقلون هذه الأحاديث إلى التابعين, وهم الذين أسلموا ولم يروا النبي-صلى الله عليه وسلم- إنما رأوا صحابته وتعلموا منهم الإسلام بما في ذلك أحاديث النبي-صلى الله عليه وسلم- وفي عهد هؤلاء التابعين بدأ التدوين الفعلي لسنة النبي-صلى الله عليه وسلم- بكتابتها, وقد كان لهمام بن منبه, وهو من أعلام التابعين, صحيفة تسمى (الصحيحة) روى فيها عن الصحابي الجليل أبي هريرة-رضي الله عنه- (وقد وصلتنا كاملة, كما دونها عن أبي هريرة, وعثر عليها الدكتور محمد حميد الله الحيدر آبادي في مخطوطتين متماثلتين) (كتاب السنة قبل التدوين ص 356)
ويقول الأستاذ أبو الحسن الندوي: إن تأليف هذه الصحيفة يرجع إلى أواسط القرن الأول الهجري, لأن أبا هريرة-رضي الله عنه- توفي سنة 58 هجرية, وهي من إملائه.
وهكذا تم تدوين وكتابة السنة النبوية في أواخر عهد النبي-صلى الله عليه وسلم- وبعد وفاته في صحف متفرقة بشكل غير مرتب ولا مبوب, ثم في أواخر عصر التابعين بدأ تدوين الآثار وتبويب الأخبار, لما انتشر العلماء في الأمصار.
------------------------------------------------

أما اختلاف درجات الحديث فليس شبهة, بل دليل على دقة المسلمين في نقل الأخبار عن النبي-صلى الله عليه وسلم- فالذي قام بتقسيم الحديث إلى صحيح وضعيف وموضوع هم علماء المسلمين أنفسهم, فقد وضعوا شروطا لقبول أي حديث ينسب إلى النبي-صلى الله عليه وسلم- فإذا تحققت هذه الشروط في الحديث قبلوه, وإن فقدت شرطا أو أكثر ردوه, ثم نظروا بعد ذلك في الأحاديث المقبولة, فالتي تحقق فيها أعلى درجات القبول جعلوها صحيحة, والتي لم يتحقق فيها الشروط بدرجة كبيرة جعلوها ضعيفة.
وشروط قبول الحديث, تنقسم إلى قسمين:
أولا: شروط يجب أن تتوفر في رواة الحديث (السند) , وهذه الشروط هي التي قام على أساسها علم الجرح والتعديل
ثانيا: شروط يجب أن تتوفر في الحديث ذاته (المتن) 
ومن ثم فإن الدقة والأمانة في النقل هي أكثر ما يميز سنة النبي-صلى الله عليه وسلم- وما هذا التقسيم لأحاديثه إلا من هذا الباب.
--------------------------------------------



أما كون السنة لا تماشي القرن الحادي والعشرين, فزعم باطل, لماذا؟
لأن سنة النبي-صلى الله عليه وسلم- هي عبارة عن:
*آداب وأخلاق
*وأحكام
 أما الآداب والأخلاق فهي صالحة لكل زمان ومكان ولا يختلف عليها أحد مسلما كان أو غير مسلم, فهل يعترض أحد على أن يكون الإنسان رحيما كريما حييا, صادقا أمينا, يغض بصره, يحفظ لسانه, لا يؤذي جيرانه, لا يعتدي على أحد, إلى غير ذلك من الأخلاق الحسنة والسلوك الطيب؟
لا أظن أن أحدا يزعم ذلك.
أما بالنسبة للأحكام فقد بينا الرد على ذلك في شبهة الشريعة صالحة لكل زمان ومكان, والله أعلم.


الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات

 ________________________