قصة أمريكا - الجزء الثاني - توحيد أمة - شهية الطبخ المغربي
7
قصة أمريكا - الجزء الثاني - توحيد أمة
 
وليام كلارك
 
بعد انتهاء الحروب الاستعمارية ونيل الاستقلال، ولدت روح أمريكية من نوع جديد، سخرت للحرية والديمقراطية، ولمبدأ يؤكد مساواة الجميع بحق الحصول على فرصة لفتح طريقه في العالم.
تؤمن أمريكا بأن لديها استراتيجية لتحويل أراضي الغرب الشاسعة، من برار وحشية إلى حدائق غناء.
ولكن الكفاح في سبيل بناء وطن حر لجميع سكانه، جر أمريكا إلى عواصف، وحروب مدنية.
نحن الشعب.
 
كانت قد بدأت منذ ما قبل اشتعال حرب الاستقلال عملية قيام أمريكا جديدة عند الحدود الغربية خلف جبال أبالاشي.
إنها مناطق صعبة المنال، كما أن قبائل الشيراكي التي تسكنها، كانت خطيرة نسبيا.
ولكن الصعاب ما كانت لتقف في طريق المستوطنين المغامرين من أمثال دانييل بوم.
لا أصدق أن هناك رجل لم يعرف الخوف في حياته، بل أعرف من يستمر قدما رغم الخوف.
كان دانييل مستعد للمخاطرة بنفسه وبعائلته، للحفاظ على الأرض التي أسماها كنتاكي. هي مكان يمكن للإنسان أن يعيش فيه بحرية مطلقة.
عثر بوم على الحلم الأمريكي لجيل جديد من الطليعيين، بفتح طريق عبر ثغرة من كامبرلين، هي ممر طبيعي يعبر الجبال نحو الغرب.
أخذت تصل آلاف العائلات إلى الأراضي الجديدة، بحثا عن الأرض والحرية. كان مفهومهم عن الحضارة يختلف جدا عن مجموعات الهنود التي كانت تسكن هناك من قبل.
لا أعتقد أن المستوطنين البيض تعاملوا مع المجتمع الهندي جديا، فقد كانوا يتصرفون وكأنهم كرستوفر كولومبوس يكتشفون أراض جديدة خالية من السكان هي أشبه بالجنان الجديدة، وهكذا لا تجدهم يتحدثون عن اجتياح أراض مسكونة عليهم إزالة المجتمعات التي أقامت فيها من قبل.
لم ير دانييل ومن معه إلا المستقبل الساطع أمامهم، ومن ورائهم قيام الولايات المتحدة الجديدة.
الروح الحدودية
 
بدأت الأمة الجديدة المتحمسة تتخذ شكلا محددا. سرعان ما تحولت القرى إلى بلدات، وتحولت البلدات إلى مدن، أما المبنى الذي أشتهر لاحقا بلقب البيت الأبيض فكان أكبر مبنى في أمريكا.
أصبحت أمريكا أكبر بكثير من الولايات الثلاثة عشرة الأولى. أقامت اسبانيا بعد المدن على الشواطئ الغربية والجنوب غربية، بينما استقر الفرنسيون على شواطئ المسيسبي، في منطقة سميت سان لويس. أما خلف هذه المناطق، فبقي ملايين الهنود يستمتعون بالحرية.
أرادت أمريكا مساحات إضافية لتنمو وتزدهر، فبرز شخص ممن أدركوا مكامن وآفاق هذا النمو، إنه الرئيس توماس جيفيرسون،  الذي  أدرك السبل إلى دروب تغير أمريكا كليا، مفصلها رجل آخر يختلف جدا عن جيفرسون الديمقراطي.
على الجانب الآخر من المحيط كان نابليون بونابارت يشن حربا طاحنة على الإنجليز. فأراد المال لمتابعتها، فباع جيفرسون قطعة صغيرة تقع إلى الغرب من المسيسبي، مساحتها ثمانمائة وثمانية وعشرون ألف ميل مربعا. ما  ضاعف حجم الولايات المتحدة، مقابل أربع سنتات للإكر الواحد.
هكذا تم شراء لويزيانا.
أدرك جيفرسون  بأن الأرض تعني الحرية للأرض والمواطن.  كان يحلم بعصر ذهبي لصغار المزارعين ممن يعيشون على ثروات أراضيهم.
قرر جيفرسون في ربيع سنة ألف وثمانمائة وثلاثة، إنجاز عملية استطلاع للأراضي الجديدة التي قام بشرائها، لتكون أمريكا الجديدة.  واعتمد بذلك على مساعدة سكرتيره الشاب، ماري وادا لويس. فكانت واحدة من أهم المسيرات التي شهدها التاريخ. وجه جيفرسون أوامره بالقول..:
قم باختيار عشرة أو اثني عشرة رجل للقيام بجولة استطلاعية على مجرى نهر ميزوري ومصبه في المحيط الهادئ للتعرف على صلاحيته للأهداف التجارية. أريد أن يتم تسجيل مقاييس دقيقة حول خطوط العرض والطول، ومعلومات حول أنواع التربة والحيوانات والمعادن وغيرها من الثروات، والناس المقيمين فيها، بإدراج أسماء الشعوب التي ينتمون إليها واللغات والتقاليد والنصب والطعام والملابس وسبل الراحة المنزلية لديهم.
انطلق لويس والملازم وليام كلارك دون إضاعة لحظة من الوقت مباشرة من سان لويس برفقة خمسة عشر رجل، في الثالث عشر من أيار مايو من عام ألف وثمانمائة وأربعة. ما كان لأحد منهم أن يدرك بأن هذه الرحلة ستغير الآفاق أمام مخيلة الأمريكي، وتفتح الأبواب شاسعة على قارة بكاملها نحو التبادل التجاري.
بعث جيفيرسون بلويس وكلارك  ضن مهمة لاستكشاف البراري الأمريكية، وليس لغزوها.
أثناء عبورك بالسكان الأصليين عاملهم بسلوك الاحترام والتقدير الذي تتبعه تقاليدهم المتعارف عليها. وأطلعهم على موقع ومزايا وآفاق ونوايا الولايات المتحدة التجارية. وحدثهم عن رغبتنا في أن يسود بيننا حسن الجوار والمنفعة المشتركة.
تمكنت حفنة من الإنجليز فقط، من الوصول إلى الغرب البعيد على خلاف الفرنسيين. كانوا يعرفون أنهم سيلاقون الهنود، ولكنهم لم يدركوا ما سيتوقعونه منهم. هل سيلاقونهم بود، أم بوحشية. 
استقبلهم الهنود بترحيب دافئ، فاق أحيانا كل توقعاتهم. وقد كتب لويس في مذكراته يقول..:
من تقاليدهم الغريبة أنهم يعرضون الزواج على من يرحبون بهم، وذلك بنساء ينضحن  بالشباب والجمال.
لم تقل دهشة الذين استقبلوا لويس بزوارهم،  وخصوصا عبده الشخصي يورك.  أدهشهم جدا رؤية رجل أسود.
سافروا لثلاثة أشهر بمحاذاة مياه لا يمكن ركوبها. وفي الثاني عشر من آب أغسطس من عام ألف وثمانمائة وخمسة، وأثناء البحث عن منبع نهر كلومبيا، شاهدوا ما لم يكن متوقعا، من سفوح تفصل جانبي القارة، فكتب الملازم كلارك عنها يقول..:
وصلنا الآن إلى منبع النهر الذي لم يسبق لإنسان متحضر أن رآه من قبل. الجبال التي نعتليها اليوم تشكل خطا فاصلا بين مياه الأطلسي والمحيط الهادئ.
عندما نصب مخيما عند ماندان في أراضي ديكودا، التقى لويس وكلارك بامرأة رائعة ساعدتهما في نجاح مهمتهما.
إنها فتاة تبلغ من العمر ستة عشر عاما، وتنتمي إلى قبالئل جيشوني، تسمى ساكاجويا. فرافقت البعثة كدليل ومترجم في أراضي جيشوني، فتمكنت من تعزيز الصداقة بين المستكشفين وشعبها، للترحيب بالقادمين الجدد.
تحولت ساكاجويا إلى رمز للسلام وحسن النوايا الممكنة بين البيض والهنود.
بعد ثمانية عشر شهر كامل، بعد أن تبعوا مسار نهري ميزوري وكولومبيا، وصلوا  إلى شواطئ المحيط الهادئ، في الثامن عشر من تشرين الثاني نوفمبر من عام ألف وثمانمائة وخمسة. فكتب لويس عن ذلك في مذكراته يقول..:
عند انحباس الضباب، استمتعنا بالمناظر الخلابة لمياه المحيط الهادئ، التي عبرنا كل هذه المسافة لرؤيتها، فمتعنا النفس بما استحقت نيله.
هذه قارة بكاملها، غنية بالأنهر والثروات والموارد، وهذا محط إلهام جديد لشعب متعطش للأرض والحرية.
الثورة الصناعية
 
أما في الشرق فكانت المدن الأمريكية منشغلة في تشيد صروح الأمة الجديدة، حيث يتمتع الناس بحرية بناء حياتهم في أي مكان يسعون إليه.
بدأ فرانسيس كابيت لو، أحد رجال الأعمال الأمريكيين بالعمل في التهريب، ولكنه لم يهرب العبيد، بل أسرار الصناعية. فأخرج من إنجلترا تصميم آلات صناعة الأنسجة الواسعة النطاق، وهكذا حمل الثورة الصناعية إلى ضفاف نهر ماريماك في مساشوسيس، فغير أساليب العمل في أمريكا إلى الأبد.
أدى وضع القطن الخام في الآلات، إلى البدء بقيام صناعة تمنح القوة لأمة شابه. أنتجت هذه المصانع سنوات ما يكفي من القماش للالتفاف مرتين حول الكرة الأرضية، بما يكفي للبيع في الوطن، وخارجه.
أدت المصانع أيضا إلى ولادة نوع جديد من الأمريكيين، هم عمال المصانع، وكانت غالبيتهم من الشابات، فتيات أرياف، تخلين عن المزارع، وجئن لكسب العيش بأنفسهن.
بدأت هاريوت روبنسون العمل في المصنع وهي في العاشرة من العمر.
كنت أعمل بداية في قاعات غزل النسيج،  وكان عملي يكمن بإزالة الكرارات واستبدالها بتلك الفارغة. كنا فتيات صغار نعمل من الخامسة فجرا وحتى السابعة مساء يؤذن لنا بساعة ونصف الساعة للإفطار والغداء. أي أننا بهذا السن كنا مجبرين على العمل  أربعة عشر ساعة في اليوم. أعتقد أنها ظروف عمل قاسية.
وجدت عاملة المصانع الأخرى لوسي لاركوم، أن العمل في المصانع  بالغ القسوة وغير إنساني. وقد اشتهرت لاحقا بكتابة الشعر والأدب.
كرهت السرعة الدائمة لكل شيء، ليس لدينا وقت كاف للأكل أو الشرب أو النوم، نصحو قبل بزوغ الفجر عند قرع الأجراس، وندخل المصنع مع قرع الأجراس، أما أثناء الدوام فكانت الطاعة كاملة على إيقاع قرع الأجراس. وكأننا جزء من آلة تنبض بالحياة.
لم أكترث يوما بالآلات، وكثيرا ما كان أنينها واحتكاك إطاراتها وصرير معادنها وهمسها يثير بي التعب. ما كنت أشعر بتعقيداتها التي لم تلفت اهتمامي بها.
كانت هذه أول مرة في التاريخ يجتمع فيها هذا العدد الهائل من النساء في مكان واحد مغلق للقيام بعمل مشترك. ولم يذهبن إلى هناك لأنهن زوجة شخص ما أو شقيقة أو قريبة أو ابنة أحد، بل كن هناك بصفة عاملات، يعشن معا ويعملن معا، ويفكرن معا ويتبادلن الآراء معا ليتخلصن من حياة الماضي كليا، فلم تستطع أي عاملة في  المصانع من العودة إلى المزرعة من جديد.
عنى الانفصال عن العائلة أو العمل الدائم  تحطيم الفؤاد كليا. أما بالنسبة للوسي وغيرها، عنا ذلك إحساس جديد بالفخر والاعتزاز والحرية الاقتصادية.
تنتمي فتيات المصانع إلى العالم الجديد وليس إلى القديم، وهن تتمسكن بتقاليد خاصة تورثها لأحفادها، ومن بينها ألا داعي لأن يكون العمل الشريف سببا يحط من مقدار المرء في كنف أمة كهذه، بل يعزز مكانته كحجر أساس في بناء هذه الجمهورية.
حر أم عبد؟
 
تحتاج  المصانع كي تستمر بالدوران إلى القطن الخام، الذي تؤمنه المزارع الجنوبية. سرعان ما تحول القطن إلى إنتاج رئيسي في الجنوب. يحتاج الجنوب إلى الكثير من الأراضي لزراعته بكميات كبيرة، وعبيد للعمل في هذه الأراضي.
جعل العبيد من القطن إنتاج مربح جدا، لهذا تعززت  العبودية من جديد رغم انحدارها البطيء مع نهاية أعوام الألف وسبعمائة. وقد جاء ذلك مترافقا مع تعزيز الصناعة والديمقراطية في البلاد.
شكل ذلك بالنسبة للعبيد نمطا من حياة البؤس التي تسودها لحظات من الإرهاب.
كانت العبودية نظاما تجعل من الإنسان مجرد ملكية خاصة. ما جعل أجيالا من السكان السود يبحثون عن سبل للبقاء على قيد الحياة ضمن ذلك النظام، دون التنازل عن إحساسهم الإنساني و كرامتهم.
فمن بينهم من لاذ بالفرار، ومن تأقلم مع ظروف العيش ويتقبل هذا النظام ومنهم من كان يقاوم يوميا دون أن يعمل جيدا، ويدمر الأدوات سعيا منه لإبطاء العملية الإنتاجية.
جرى اختطاف المواطن الأمريكي الأسود سلمون نورثو، من شوارع واشنطن، وأجبر على العمل كالعبيد في مزارع القطن في لويزيانا.
يبدأ موسم جمع القطن في نهاية شهر آب أغسطس. من تقاليد العمل في الحقول الجديدة، أن يرسل رب العمل بعبد لأول مرة إلى الحقل ويخضعه للجلد أثناء العمل طوال اليوم ليجبره على جمع أكبر كمية ممكنة من القطن وبأسرع ما يمكن. تخضع الكمية للوزن عند حلول الليل لتحديد قدرته القصوى على جمع القطن. وهكذا يدرك العبد أن عليه جلب نفس الكمية مع نهاية أيام العمل التالية. أما إذا أخفق في ذلك، فسيكون هذا إثباتا على تقاعسه،  فيستحق على ذلك أن يجلد عقابا وتأديبا له.
يصعق زوار مزارع القطن بما يرونه من قسوة هناك. أمضت الممثلة البريطانية فاني كامبل عدة أشهر في مزرعة  لزوجها في جيورجيا.
لا أعتقد أرى من المناسب أن ينشأ طفل مثل ولدي في منزل تحيط به المزارع التي يعمل فيها العبيد.
ما أن تحدثت عن أرجوحة حتى قام أحد العبيد بتركيبها وجاء بعبد صغير ليؤرجح طفلها. يشعرني ذلك بالرهبة، لهذا جب أن أعثر على طريقة أنتقل بها مع طفلي  من هذا المكان البائس المحاط بالأحزان.
كان المزارع بشق عائلة العبيد، لكسب المزيد من المال، والمحافظة على النظام. ورد في رسالة كتبتها امرأة عبدة لابنتها إيمي التي فصلت عنها ما يلي..:
ابنتي العزيزة، كثيرا ما أتمنى رؤيتك مرة أخرى في هذا العالم، ولكن هذه التمنيات قد ألغيت إلى الأبد. ابنتي الحبيبة إيمي، إن لم نلتقي في هذا العالم آمل أن تجمعنا السماء يوما، حيث لا يفصل بيننا أحد. أدعو لك بالتوفيق حيثما كنت، وأتمنى أن تحافظي على الإيمان إلى الأبد.
ثورة نات تورنر
 
شهدت فيرجينيا عام ألف وثمانمائة وواحد وثلاثون حدثا بارزا هز الجنوب بكامله. حيث تمرد العبيد على أسيادهم. لم يستمر ذلك أكثر من ليلة واحدة.
ثار ستون عبدا بقيادة نات تورنر البالغ من العمر اثنين وثلاثون عاما، كان يدعي بأنه جاء ليخلص السود من براثن عبودية البيض. 
ذبحوا أكثر من خمسين شخصا من البيض، غالبيتهم من النساء والأطفال. تمكنت المليشيات المحلية من سحق الثورة في اليوم التالي. ولكن نات تورنر بقي حيا لعدة أسابيع.
انتهت الثورة بإعدام تورنر وعدد من أتباعه. إلا أن معركة العبودية أنهكت البلاد بكاملها.
اندفاع البلاد نحو الغرب
 
ما كان لشيء في تلك الفترة أن يتغلب على الروح الديناميكية للجمهورية الشابة. وما كان لأحد أن يثق بنمو أمريكا وقدرتها على النجاح من أندرو جاكسون.. شهرته بمقاتلته الهنود ونجاحه في حرب نيو أورليانز التي جرت عام ألف وثمانمائة واثني عشر، جعلته يرمز إلى أمريكا الجديدة، لأنه ينحدر من أصول فلاحية فقيرة، تمكن بعدها من جمع الثروة عبر الزواج والعبيد والتجارة بالأراضي.
يحتقر جاكسون المال الذي يسيطر على الحكومة، وكان يقول: على المواطن والعامل العادي في المجتمع الديمقراطي أن يتمتع بحرية الكلمة والانتخاب، إلى جانب جزء من الثروة أيضا. كانت تلك نظرة صائبة، أوصلته إلى البيت الأبيض.
وقفت عقبة بشرية كبيرة في طريق جاكسون. هي قبائل الكريك، والشريكي، والسمنول، وغيرها من تلك التي عرفت بالقبائل المتحضرة الخمس، التي تحتل الأراضي الجديدة التي أراد جاكسون  توزيعها على أصدقائه ومؤيديه.
عمل بعضهم بقسوة مثل الشيراكي ليصبحوا مواطنين أمريكيين صالحين.
كانت جمهورية الشيروكي تجربة سياسية مبدعة شبيهة جدا بما فعلته الولايات المتحدة حينها. كانت تعتمد دستورا، وتنشر القراءة والكتابة بلغتها الخاصة، وعدد من المدن والمزارع، والعبيد أيضا.
كانت تدير أراضي فيها مناجم ذهب وأخرى خصصت لزراعة القطن،  وعندما حل عصر جاكسون برزت أمامه هذه المشكلة. لو عاشت قبائل الشيروكي في ظروف من البؤس وسط الجبال لما واجه أي صعوبات، أما أن يتمكن الشيروكي من تحقيق النجاحات على طريقتهم، وهم أمريكيون على طريقتهم الخاصة أيضا، فهذا أمر لا يمكن القبول به.
عام ألف وثمانمائة وثلاثون، وقع جاكسون على ميثاق إجلاء الهنود، الذي أجبر جميع الهنود على التوجه إلى الغرب من نهر مسيسبي.
كانت ريبيكا نوغن من قبائل شيروكي مجرد طفلة بعد عندما قامت الوحدات الأمريكية بإخراجها وعائلتها من وطنهم.
عندما جاء الجنود إلى بيتنا أراد والدي أن يقاتلهم، ولكن أمي حذرته من أن الجندي سيقتله إذا فعل، فاستسلمنا بدون قتال. فخرجنا من البيت للانضمام إلى مجموعات أخرى من الأسرى في عربات نقل تجارية.
لم يجد غالبية أبناء الشيروكي  خيار آخر إلا اتباع قوافل المهاجرين بالقوة، التي اشتهرت لاحقا، بدروب الدموع، نحو الأراضي البعيدة لما يعرف اليوم بأوكلاهوما.
مات منهم آلاف مؤلفة من الذين وقعوا  ضحايا انتشار الأمراض والجوع وبرد الشتاء.
ميثاق خلف آخر وعام بعد عام،  وجد الهنود أراضيهم تبتلع أمام أعينهم مساحة بعد أخرى، حتى ابتلعت بالكامل.
البيان المصيري
 
بعد التوسع الأمريكي نحو الغرب بدأ مفهومهم للحرية يثير المخاوف.
شعر سام هيوستن ومن معه من العشرين ألف مستوطن الذين كانوا يسكنون في الأراضي المكسيكية المعروفة بتكساس، شعروا بالخوف من أن تجتاح الحكومة المكسيكية أراضيهم والنيل من حرياتهم. كما أرادوا حرية امتلاك العبيد، رغم أن ذلك ممنوع ضمن القوانين المكسيكية. بعد أن رفض سكان تكساس المراهنة على سبل حياتهم وممتلكاتهم، أعلنوا قيام جمهورية خاصة بهم.
لاستعادة الأراضي التي استولى عليها الثوار قام الجيش المكسيكي بقيادة الرئيس سانتا آنا، بالتوجه نحو الشمال، ولم يجدوا أمامهم إلا وحدات مبعثرة يقودها سام هيوستن عضو الكونغرس السابق وحاكم تينيسي، الذي يتميز ببراعته في قيادة الرجال وتدريب الجنود.
في الثالث والعشرين من شباط فبراير من عام ألف وثمانمائة وستة وثلاثين، هاجم سانتا آنا مدينة سان أنطونيو.
عند موقعة عرفت باسم ذي ألامو، تمكن مائة وسبعة وثمانون رجل من بينهم ديفي كروكيت وجيم بوي، من الصمود ببطولة مميزة. ليسجلوا يوما بعد يوم أساطير  من التحديات التي أوقعت خسائر فادحة في صفوف العدو.
في اليوم الثالث عشر من الحصار، تمكن المكسيكيون من اجتياح ألامو. جرى بعد ذلك إعدام الباقون على قيد الحياة في المعركة بما فيهم الجرحى. ثم أحرقت جثثهم.
بعد شهرين فقط تمكن سام هيوستن ورفاقه من الانتقام. كانت الجحافل الأمريكية تصرخ أثناء الهجوم، تذكروا الألامو، حتى سحقوا الجيش المكسيكي، وقبضوا على سانتا آنا، وفرضوا استقلال تكساس.
كان ذلك عصر من التوسع الجغرافي المنقطع النظير، الذي برر فيما عرف بالبيان المصيري، حيث يقال بأن للأمريكي حق مطلق بإقامة إمبراطورية شاسعة من الفرص والحريات. كتب هذا البيان الصحفي الأمريكي جان إل أو سوليفين.
لا يتحقق ما يرد في البيان المصيري، إلا إذا وسعنا الحدود عبر القارة إلى أرجاء أخرى تكفي لما لدينا من ملايين تتضاعف أعدادها عاما بعد عام.
وهكذا توجهت أمريكا بعد ذلك للاستيلاء على ما تبقى من الأراضي المكسيكية، التي تصل إلى المحيط الهادئ. عام ألف وثمانمائة وثمانية وأربعين تمكنت الولايات المتحدة الأمريكية من الاستيلاء على جميع أراضي الجنوب الغربي، وثروات كليفورنيا. سرعان ما ثبت بأن هذه الآفاق هي أكثر قيمة مما تخيل أي إنسان على الإطلاق.
الذهب!
 
كان الرابع والعشرين من كانون الثاني من عام ألف وثمانمائة وثمانية وأربعين، يبدو وكأنه يوم اثنين عادي جدا، إلى أن عثر على جزيئات صخرية صغيرة من الذهب، في عدد من الطواحين في كليفورنيا.
إنه الذهب!
في العام التالي توجه الحالمون بالذهب نحو الغرب، على أمل أن يصبحوا أثرياء، فأطلق عليهم لقب جيل التاسع والأربعين.  برزت بين عشرات الآلاف من أصحاب التمنيات، العروس الشابة كارولين هون، وزوجها المحامي.
كان العصر الذهبي حينها في أوجه، يذهب إليه الكبير والصغير على حد سواء. فتساءلنا من سيذهب منا، كيف نضمن ظروف العيش هناك، أي نوع من الملابس والأطعمة سنحمل معنا؟ كثيرا ما كانت النصائح تسدى مجانا، دون أن تمتاز بالمنطق أحيانا. 
لم نجد من الأحياء هناك إلا الهنود والسحالي والثعابين، جميعها تحاول البقاء على قيد الحياة. كانت المعلومات المتوفرة لا تصف الظروف البائسة بدقة. فبزوغ الشمس بألوانها من خلف الهضاب صباحا لا يكاد يحتمل خلال النهار من شدة الحرارة، أما في الليل فتثير ظلال الهنود وخيالاتهم الخوف والرعب في الليل. لا ينقص إلا انتشار القرون لاكتمال صورة الجحيم هناك.
تمكنت كارولاين وزوجها المحامي من الوصول إلى هدفهما بأمان، حيث تبين لهما بأن المحامي يجمع أكثر بكثير من غالبية عمال المناجم، وهكذا استقر بهم الحال في بلدة قريبة من المناجم حيث تمتعوا بالنمو والازدهار.
استخرج  مائة ألف عامل مناجم في ذروة عام ألف وثمانمائة واثنين وخمسين ما يزيد عن واحد وثمانين مليون دولار من ذهب أرض كليفورنيا. أي ما يوازي اليوم ثلاثمائة مليون دولار.
جاء الباحثون عن الثروات عبر الهادئ، للحصول على فرص لهم. إنهم فقراء الصين الذين هربوا من حروب الأفيون وظروف البؤس العصيبة. كانوا قد سمعوا بمكان اسمه قام سان، أي جبل الذهب. عام ألف وثمانمائة واثنين وثمانين وصل أكثر من عشرين ألف صيني للعمل في مناجم كليفورنيا. تنص القوانين الأمريكية على أن يتركوا زوجاتهم وأطفالهم خلفهم، ولكن نداء الثروة والنعيم أكبر من أن تقاوم بسهولة. وهذا ما يقوله الصيني فوكس أون..:
خرجت متوجها إلى جبل الذهب، أحمل معي وسادة فعبرت البحار على متن سفينة من خشب المامبو، تاركا خلفي زوجتي وأخواتي بحثا عن المال. لم أعد أنعم بزوجتي، ولا أعير احترام يوميا لوالدي.
كان الصينيون جزء من موجات المهاجرين الكبيرة التي تدفقت إلى الولايات المتحدة، لبناء حياة أفضل. زرع الألمان والسويديون الأراضي الخصبة، وشيد الايرلنديون الطرقات على طول البلاد التي توسعت عبر القارة.
ليس من السهل بناء وطن جديد، ولكنها فرصة سانحة للتخلص من الفقر واليأس.
مطالبة المرأة بالعدالة
 
الحرية في أمريكا بالنسبة للمرأة المهاجرة أو المولودة هناك هي أكثر من مجرد البحث عن حياة أفضل، فهي تعني العدالة أيضا.
في المصانع والمعامل، في قاعات الدراسة والاجتماعات، في المدن والبلدان الجديدة، عاملات ومدرسات وزوجات رفعن أصواتهن عاليا مطالبات بحقوقهن.
منذ أول ميثاق صدر في سينيكا نيويورك عن حقوق المرأة عام ألف وثمانمائة وثمانية وأربعين، كتبته إليزابيث كيتي ستانتين، فورد به ما يلي..:
نأمل أن تشكل هذه الأدلة إثبات، على أن الرجال والنساء يستحقون المساواة، وبالتالي لا بد من إزالة  جميع القوانين التي تحول دون احتلال المرأة لمراكز مرموقة في المجتمع، على اعتبار أن كل ما يجعلها في مرتبة أقل من الرجل، مناقض للطبيعة،  وبالتالي لا تتمتع بالقوة أو السلطة.
تابعت المرأة كفاحها من أجل الحرية عبر الروح المعنوية  الأمريكية طوال عقود متتالية.
لينكون
 
عام ألف وثمانمائة وستين، أصبح العديد من الأمريكيين يعارضون نظام العبودية. ما اعتبره الجنوبيين تحديا لمفهومهم للحرية.
لم يستفز الجنوب شيئا أكثر من انتخاب رجل يكرهونه. أبراهام لينكون.
اعتبر الجنوب ان لينكون يشكل تهديدا كاملا لسبلهم في الحياة، علما أن لينكون كان أشد اهتماما بالحفاظ على الاتحاد من إلغاء العبودية. وقد قال في خطاب انتخابه رئيسا..:
لا أرغب إطلاقا بالتدخل بطريقة مباشرة أو غير مباشرة في نظام العبودية السائد في أي ولاية كان. لهذا أعتبر أن إشعال الحرب الأهلية مسألة أصبحت في أيديكم وليست بين يدي. رغم التوتر القائم اليوم، يجب ألا يؤدي ذلك إلى تحطيم أواصر الروابط بيننا. ذكرى جميع الضحايا الذين سقطوا في ساحات المعارك ما زالت تدق ناقوس تعزيز الاتحاد القائم.
فات الأوان، بعد أن أوشكت تلك الروابط على التمزق.
الحرب!
 
يوم الثامن عشر من نيسان أبريل من عام ألف وثمانمائة وواحد وستين، أعلنت أحد عشر ولاية انفصالها عن الاتحاد. فطرح جيفرسون ديفيس رئيس الكنفدرالية الجديدة سؤال يقول:..
هل تكون عبدا ومستقلا؟ هل تقبل بأن تحرم من ملكيتك؟
الثامن عشر من نيسان أبريل. شارلستون جنوب كارولينا. مدافع الكونفدرالية أصبحت جاهزة. عند بزوغ الفجر أطلقت قذائف مدافعها نحو مواقع الاتحاد في قلعة سامتير، التي تتوسط الميناء.
جلست ماري شيسنير زوجة قائد الكونفدرالية تراقب الوضع من فندقها فكتبت تقول:..
لا يمكن القبول بالعبودية، وكيف نقبل بها؟
إذا رفض الاتحاد القبول بالشروط سيواجه القذائف. تمنيت أكثر من أي وقت مضى بأن يسود السكون حول أرجاء البيت، ولكن يبدو أن كل شيء يسير باتجاه واحد، حيث تنفجر القذائف، وهدير المدافع المعتاد. كلما اكتفينا نحن بالدعاء كلما ازداد تورط الرجال، ويتزايد سقوط القذائف في الأفق، على مرأى من أعيننا. والجميع يستغرب ألا يصدر عن القلعة قذيفة رد واحدة.
بعد أربع وثلاثين ساعة، تحولت القلعة إلى ركام. فأمر القائد الفدرالي الميجر أندرسون، بإنزال العلم، ليرفع مكانه غطاء سرير أبيض.
بعد يومين من ذلك، وفي الخامس عشر من نيسان أبريل، دعا لينكون لتجنيد خمسة وسبعون ألف متطوع، يشكلون جيشا للدفاع عن الاتحاد.  لم يتوقع أحد أن كسب الحرب سيستغرق فترة طويلة، لهذا طلب من الوحدات أن تجند لثلاثة أشهر فقط.
لم يكن التفاؤل مبررا. فعلى مدار خمس سنوات من الحروب الضارية، سقط ستمائة وعشرون ألف قتيل.
كانت الحرب الأهلية في الجنوب سعيا بائسا من أجل البقاء،  خاصة وأن الشمال يتفوق عليهم بالعدد والعدة والسلاح والقدرة على الإنتاج. كما تنبه الكثيرين منهم بأنهم يقاتلون من أجل قضية أصبح العالم أجمع يدينها.
عنت هزيمة الجنوب القضاء على حضارته بالكامل، فكر لينكون وغرانت وشرمن وغيرهم بالأمر وأصروا على إشعال حرب كاملة، غير متحضرة على الإطلاق.
أنتيتام
 
خريف عام ألف وثمانمائة واثنين وستين، شهدت أنتيم كريك خارج شاببريغ ميريلاند، صدام بين الوحدات الاتحادية  والكونفدرالية، وذلك في يوم هو الأكثر دموية في الحرب. حيث تم الاستيلاء على حقل واحد من الذرة ثلاثة عشر مرة. وذلك بمواجهة وقعت بين ستين ألف من وحدات القوات الاتحادية بقيادة الجنرال مكنولين و الوحدات الكونفدرالية، بقيادة الجنرال روبيرت إي لي. كتب أحد ضباط هذه المجزرة عنا مشاهداته فيها يقول:..
 كنا على مسافة قريبة جدا من الجانب الآخر بحيث يمكن النيل من عناصره بسهولة، وكنت آمر بإطلاق النار على الجنود الذين يواجهونا في الخط المباشر.   حتى أصبت برصاصة في ساقي الأيمن، وكان رجالي على الميمنة والميسرة يتساقطون كالأشجار. كنت أتمكن من السير إلى الأمام لأعزز معنويات جنودي. ما كنت لأتخلى عنهم في مثل تلك الأزمات، رغم إصابتي لاحقا برصاصة في الكتف. ومع ذلك لم يقبل العديد بمغادرة ساحة المعركة حتى انتهائها مع حلول الليل.
ومع حلول الليل، ضحى ستة آلاف رجل بين اتحاديين  وكونفدراليين بحياتهم. بينما أصيب عشرون ألف آخرين بجروح عميقة، دون أن يتضح من المنتصر،  رغم المجزرة وخسائرها.
إعتاق
 
بعد معركة أنتيدوم بقليل اتخذ لينكون خطوة حاسمة، فقد أصدر ميثاقا يعلن فيه إعتاق العبيد وإطلاق سراحهم.
كل شخص يعامل كعبد في أي مكان من الولايات المتحدة أيا يكن، حتى في المناطق التي تشهد تمردا ضد الولايات المتحدة، هو حر طليق منذ هذه اللحظة وإلى الأبد.
أعتقد أن إعتاق العبيد شكل منعطف حاسم في الحرب المدنية، فقد حول الحرب من نزاع لتعزيز الوحدة إلى حرب من أجل فقد حول الحرب من نزاع لتعزيز الوحدة إلى حرب من أجل إعتاق العبيد، ما برر الخسائر البشرية الهائلة التي سقطت وتلك التي ستسقط لاحقا في السنوات التالية للحرب. فقد جندت المواطنين السود في الجيش لأول مرة ما منحهم الحق بالجنسية بعد انتهاء الحرب. أي أن هذا سيعني تغييرا جذريا في مجتمعات الجنوب بعد الحرب، وبالتالي ضرورة قيام علاقات اجتماعية جديدة.
وهكذا فإن كل هذه الأسباب مجتمعة تبرر تحول أسباب الحرب الأهلية، التي بلغت حينها منعطف هام في تاريخ الولايات المتحدة.
وهكذا وقف السود الأحرار والعبيد المحررين مستعدين للدفاع عن الاتحاد. ولكن الضباط الفدراليون ترددوا باستخدامهم في المعارك.
أثناء الحرب الثورية سمح واشنطن للسود الأمريكيين بالقتال، والآن وقف لينكون يتحدى جنرالاته.
تقولون أنكم لن تقاتلون لتحرير السود، مع أن بعضهم مستعد للقتال من أجلكم. عندما نحقق النصر، سيكون هناك بعض الرجال السود الذين يتذكرون أنهم، بلسان صامت، وأسنان  مطبقة، وعيون جاحظة وبنادق مسددة بإحكام، تمكنوا من مساعدة الجنس البشري للقيام بهذا العمل الرائع.
وأخيرا قاتل مائة وثمانون ألف أمريكي أسود من أجل الاتحاد. كانت غالبيتهم العظمى تعمل في فرق منفصلة يقودها ضباط بيض. وقد ضحى ثمانية وثلاثون ألف بحياتهم في سبيل الحرية.
ضمن مفارقة لا تصدق أخذ  الجنرال روبيرت إي لي بعين الاعتبار في فترة لاحقة من الحرب فكرة استخدام العبيد في المعارك من أجل الكونفدرالية.
فرد عليه أحد الجنرالات الجنوبيين بالقول:
إذا كان السود يصلحون للحرب، فإن نظرية العبودية التي نتبعها تصبح خاطئة.
غيتيسبورغ
 
طوال ثلاثة أيام من صيف عام ألف وثمانمائة وثلاثة وستين،  ذبح الشمال  والمتمردين بعضهم بعضا في معركة طاحنة سجلت منعطفا حاسما في الحرب.
بعد مناوشات بين الوحدات المتقدمة، طلب كل من الطرفين المزيد من التعزيزات، وسرعان ما أصبح مائة وثلاثة وستون ألف رجل يواجهون بعضهم البعض. ينشدون الموت جميعا.
وصف أحد جنود الاتحاد قتاله ضد الوحدات المعادية بالقول:..
تقدم الكونفدراليون بنظام رائع، بخطوات رجال يعتقدون أنهم لا يهزمون، أطلقت وحداتنا النار على الصفوف الأولى، فلم تهتز وحداتهم بل عملت على رص الصفوف لتحل محل القتلى الذي سقطوا. إلى أن تقاربت الوحدات من بعضها ولم نعد نميز الكونفدرالي من الاتحادي وسط اشتباكات بالسلاح الأبيض في وضح النهار، فأودت هذه المعركة بخسائر كبيرة بينهم.
قتل سبعة آلاف رجل، وأصيب خمسة وأربعون ألف آخرون بجروح. في اليوم الرابع أجبر الجنرال لي على الانسحاب نحو فيرجينيا الآمنة، بعد أن انقسم ظهر القوة الكبرى للكونفدراليين.
كان النصر هنا واضحا، على خلاف ما جرى في أنتيدام،
بعد شهرين من ذلك وفي تشرين الثاني نوفمبر، توجه لينكون إلى غيتيزبيرغ، حيث افتتح مقبرة لقتلى الاتحاديين، حيث قال:..
قبل أربعة عقود وسبعة أعوام من اليوم، وصل أجدادنا إلى هذه القارة وهم يرفعون شعار العمل من تحقيق الحرية والمساواة بين جميع البشر. ونحن اليوم منهمكون في حرب أهلية، للتأكد مما إذا كانت تلك الأمة أو غيرها يمكنها الاستمرار طويلا. ما كان لهؤلاء القتلى أن يسقطوا دون جدوى، ولا بد لهذه الأمة أن تعزز تمسكها بالحرية من جديد،  كي لا تتلاشى عن وجه الأرض الحكومات التي يختارها الشعب من بين صفوفه كي تعمل لخدمته.
نهاية الحرب
 
أشكر السماء على أني عشت كي أرى هذا،  وكأني كنت أرى كابوس دام أربع سنوات وها هو يأتي اليوم إلى نهايته.
بعد أربعة أعوام من استسلام قلعة سمتر، عاد علم الحرية، علم الاتحاد يرفرف مرة أخرى.
وقد أمر برفعها الضابط نفسه، الميجر جنرال أنديرسون، الذي سبق أن رفع راية الاستلام مكانه.
بعد أقل من اثني عشر ساعة، وقعت كارثة أخيرة، عندما تعرض لينكون للإغتيال.
أيها القبطان سيدي القبطان، لقد انتهت رحلتنا المخيفة، تخطت السفينة كل الصخور، حتى وصلنا إلى الهدف المنشود، اقترب الفرج والأجراس التي أسمعها تعلن حماس  جميع الناس. ولكن أيها القلب الذي يعتصر، قطرات من الدمع الأحمر، نحن على السفينة مع قبطان، بردت عروقه، ومات.
نطق الجنوب المدمر بصوت امرأة قالت فيه:..
لم يعتقد قادتنا أن الشمال سيقاتل، يا رجالنا العميان، سالت أنهر من الدماء بغزارة. وأين نحن اليوم، من شعب أخضع وهو يعاني الدمار؟ ما هو مستقبلنا؟
الحرية أخيرا
 
تحقق الأمل بالنسبة للأمريكيين السود، حين أقر البند الثالث عشر من الدستور الذي يمنع العبودية بالقانون. أما البندين التاليين فيمنحهم جميع حقوق المواطنية.
تتذكر لويزا بوز روز اليوم الذي سمعت فيه مع أفراد عائلتها الخبر بالقول:..
 كان والدي في الماء التي غمر نفسه فيها كليا، وكأنها السعادة تغمره، حمل بين كفيه الماء ويضعه فوق رأسه وهو يصرخ: صرت حرا صرت حرا صرت حرا.
المسألة الرئيسية التي استحقت رعاية واهتمام بعد انتهاء الحرب الأهلية من قبل الجنوب والشمال ومن قبل البيض والسود هي كيفية التعامل مع إعادة تشكيل البنية الاجتماعية في  بعد التخلص من العبودية. بعبارة أخرى ماذا تعني الحرية  التي نالها العبيد من خلال الحرب الأهلية.
تمتع العبيد سابقا بإدراك كامل حول ما تعنيه الحرية التي لم تقتصر بالنسبة لهم على إطلاق سراحهم بل تمتعهم بالحقوق الكاملة والواجبات الكاملة أيضا التي يتميز بها الأمريكي الحر.
إنه مفهوم من الحرية لن يتعرض للدمار أبدا.
تكمن المسألة الرئيسية في ألا يتحكم بك شخص آخر، وهذه مسألة ما زالت في منتهى الأهمية بالنسبة للأمريكيين الأفارقة، ذلك أنهم استمروا في الكفاح من أجل هذه الحرية، ما أبقا تلك الفكرة حية.
أمة متجددة
 
بعد تلك الآلام والمآسي انتصرت الحرية. حمل انتهاء الحرب الأهلية انفجار صناعي في البلاد. تعززت حرية الحدود الغربية جدا، ورغم بعد المسافة، بذل الأمريكيون ما بوسعهم للوصول إلى هناك.
بعد سنوات من انتهاء الحرب التقى الشرق بالغرب عبر وسط صحراء يوتا. يقال أن هذه واحدة من أهم المشاريع العمرانية منذ بناء الأهرام. إذ أنها خطوط تجمع شرقي البلاد بغربها، وتوحد البلاد بخطوط من الحديد والخشب.
أصبحت العصور الذهبية على بعد قاب قوسين أو أدنى.
بعد الشجاعة والإقدام والمجازر الدموية، وبعد تغيير ملامح القارة، صارت أمريكا جاهزة لتحويل نفسها مرة أخرى، لتصبح هذه المرة عملاق صناعي، وشعار للحرية عبر العالم.
 
--------------------انتهت.
إعداد: د. نبيل خليل

قصة أمريكا - الجزء الثاني - توحيد أمة

قصة أمريكا - الجزء الثاني - توحيد أمة
 
وليام كلارك
 
بعد انتهاء الحروب الاستعمارية ونيل الاستقلال، ولدت روح أمريكية من نوع جديد، سخرت للحرية والديمقراطية، ولمبدأ يؤكد مساواة الجميع بحق الحصول على فرصة لفتح طريقه في العالم.
تؤمن أمريكا بأن لديها استراتيجية لتحويل أراضي الغرب الشاسعة، من برار وحشية إلى حدائق غناء.
ولكن الكفاح في سبيل بناء وطن حر لجميع سكانه، جر أمريكا إلى عواصف، وحروب مدنية.
نحن الشعب.
 
كانت قد بدأت منذ ما قبل اشتعال حرب الاستقلال عملية قيام أمريكا جديدة عند الحدود الغربية خلف جبال أبالاشي.
إنها مناطق صعبة المنال، كما أن قبائل الشيراكي التي تسكنها، كانت خطيرة نسبيا.
ولكن الصعاب ما كانت لتقف في طريق المستوطنين المغامرين من أمثال دانييل بوم.
لا أصدق أن هناك رجل لم يعرف الخوف في حياته، بل أعرف من يستمر قدما رغم الخوف.
كان دانييل مستعد للمخاطرة بنفسه وبعائلته، للحفاظ على الأرض التي أسماها كنتاكي. هي مكان يمكن للإنسان أن يعيش فيه بحرية مطلقة.
عثر بوم على الحلم الأمريكي لجيل جديد من الطليعيين، بفتح طريق عبر ثغرة من كامبرلين، هي ممر طبيعي يعبر الجبال نحو الغرب.
أخذت تصل آلاف العائلات إلى الأراضي الجديدة، بحثا عن الأرض والحرية. كان مفهومهم عن الحضارة يختلف جدا عن مجموعات الهنود التي كانت تسكن هناك من قبل.
لا أعتقد أن المستوطنين البيض تعاملوا مع المجتمع الهندي جديا، فقد كانوا يتصرفون وكأنهم كرستوفر كولومبوس يكتشفون أراض جديدة خالية من السكان هي أشبه بالجنان الجديدة، وهكذا لا تجدهم يتحدثون عن اجتياح أراض مسكونة عليهم إزالة المجتمعات التي أقامت فيها من قبل.
لم ير دانييل ومن معه إلا المستقبل الساطع أمامهم، ومن ورائهم قيام الولايات المتحدة الجديدة.
الروح الحدودية
 
بدأت الأمة الجديدة المتحمسة تتخذ شكلا محددا. سرعان ما تحولت القرى إلى بلدات، وتحولت البلدات إلى مدن، أما المبنى الذي أشتهر لاحقا بلقب البيت الأبيض فكان أكبر مبنى في أمريكا.
أصبحت أمريكا أكبر بكثير من الولايات الثلاثة عشرة الأولى. أقامت اسبانيا بعد المدن على الشواطئ الغربية والجنوب غربية، بينما استقر الفرنسيون على شواطئ المسيسبي، في منطقة سميت سان لويس. أما خلف هذه المناطق، فبقي ملايين الهنود يستمتعون بالحرية.
أرادت أمريكا مساحات إضافية لتنمو وتزدهر، فبرز شخص ممن أدركوا مكامن وآفاق هذا النمو، إنه الرئيس توماس جيفيرسون،  الذي  أدرك السبل إلى دروب تغير أمريكا كليا، مفصلها رجل آخر يختلف جدا عن جيفرسون الديمقراطي.
على الجانب الآخر من المحيط كان نابليون بونابارت يشن حربا طاحنة على الإنجليز. فأراد المال لمتابعتها، فباع جيفرسون قطعة صغيرة تقع إلى الغرب من المسيسبي، مساحتها ثمانمائة وثمانية وعشرون ألف ميل مربعا. ما  ضاعف حجم الولايات المتحدة، مقابل أربع سنتات للإكر الواحد.
هكذا تم شراء لويزيانا.
أدرك جيفرسون  بأن الأرض تعني الحرية للأرض والمواطن.  كان يحلم بعصر ذهبي لصغار المزارعين ممن يعيشون على ثروات أراضيهم.
قرر جيفرسون في ربيع سنة ألف وثمانمائة وثلاثة، إنجاز عملية استطلاع للأراضي الجديدة التي قام بشرائها، لتكون أمريكا الجديدة.  واعتمد بذلك على مساعدة سكرتيره الشاب، ماري وادا لويس. فكانت واحدة من أهم المسيرات التي شهدها التاريخ. وجه جيفرسون أوامره بالقول..:
قم باختيار عشرة أو اثني عشرة رجل للقيام بجولة استطلاعية على مجرى نهر ميزوري ومصبه في المحيط الهادئ للتعرف على صلاحيته للأهداف التجارية. أريد أن يتم تسجيل مقاييس دقيقة حول خطوط العرض والطول، ومعلومات حول أنواع التربة والحيوانات والمعادن وغيرها من الثروات، والناس المقيمين فيها، بإدراج أسماء الشعوب التي ينتمون إليها واللغات والتقاليد والنصب والطعام والملابس وسبل الراحة المنزلية لديهم.
انطلق لويس والملازم وليام كلارك دون إضاعة لحظة من الوقت مباشرة من سان لويس برفقة خمسة عشر رجل، في الثالث عشر من أيار مايو من عام ألف وثمانمائة وأربعة. ما كان لأحد منهم أن يدرك بأن هذه الرحلة ستغير الآفاق أمام مخيلة الأمريكي، وتفتح الأبواب شاسعة على قارة بكاملها نحو التبادل التجاري.
بعث جيفيرسون بلويس وكلارك  ضن مهمة لاستكشاف البراري الأمريكية، وليس لغزوها.
أثناء عبورك بالسكان الأصليين عاملهم بسلوك الاحترام والتقدير الذي تتبعه تقاليدهم المتعارف عليها. وأطلعهم على موقع ومزايا وآفاق ونوايا الولايات المتحدة التجارية. وحدثهم عن رغبتنا في أن يسود بيننا حسن الجوار والمنفعة المشتركة.
تمكنت حفنة من الإنجليز فقط، من الوصول إلى الغرب البعيد على خلاف الفرنسيين. كانوا يعرفون أنهم سيلاقون الهنود، ولكنهم لم يدركوا ما سيتوقعونه منهم. هل سيلاقونهم بود، أم بوحشية. 
استقبلهم الهنود بترحيب دافئ، فاق أحيانا كل توقعاتهم. وقد كتب لويس في مذكراته يقول..:
من تقاليدهم الغريبة أنهم يعرضون الزواج على من يرحبون بهم، وذلك بنساء ينضحن  بالشباب والجمال.
لم تقل دهشة الذين استقبلوا لويس بزوارهم،  وخصوصا عبده الشخصي يورك.  أدهشهم جدا رؤية رجل أسود.
سافروا لثلاثة أشهر بمحاذاة مياه لا يمكن ركوبها. وفي الثاني عشر من آب أغسطس من عام ألف وثمانمائة وخمسة، وأثناء البحث عن منبع نهر كلومبيا، شاهدوا ما لم يكن متوقعا، من سفوح تفصل جانبي القارة، فكتب الملازم كلارك عنها يقول..:
وصلنا الآن إلى منبع النهر الذي لم يسبق لإنسان متحضر أن رآه من قبل. الجبال التي نعتليها اليوم تشكل خطا فاصلا بين مياه الأطلسي والمحيط الهادئ.
عندما نصب مخيما عند ماندان في أراضي ديكودا، التقى لويس وكلارك بامرأة رائعة ساعدتهما في نجاح مهمتهما.
إنها فتاة تبلغ من العمر ستة عشر عاما، وتنتمي إلى قبالئل جيشوني، تسمى ساكاجويا. فرافقت البعثة كدليل ومترجم في أراضي جيشوني، فتمكنت من تعزيز الصداقة بين المستكشفين وشعبها، للترحيب بالقادمين الجدد.
تحولت ساكاجويا إلى رمز للسلام وحسن النوايا الممكنة بين البيض والهنود.
بعد ثمانية عشر شهر كامل، بعد أن تبعوا مسار نهري ميزوري وكولومبيا، وصلوا  إلى شواطئ المحيط الهادئ، في الثامن عشر من تشرين الثاني نوفمبر من عام ألف وثمانمائة وخمسة. فكتب لويس عن ذلك في مذكراته يقول..:
عند انحباس الضباب، استمتعنا بالمناظر الخلابة لمياه المحيط الهادئ، التي عبرنا كل هذه المسافة لرؤيتها، فمتعنا النفس بما استحقت نيله.
هذه قارة بكاملها، غنية بالأنهر والثروات والموارد، وهذا محط إلهام جديد لشعب متعطش للأرض والحرية.
الثورة الصناعية
 
أما في الشرق فكانت المدن الأمريكية منشغلة في تشيد صروح الأمة الجديدة، حيث يتمتع الناس بحرية بناء حياتهم في أي مكان يسعون إليه.
بدأ فرانسيس كابيت لو، أحد رجال الأعمال الأمريكيين بالعمل في التهريب، ولكنه لم يهرب العبيد، بل أسرار الصناعية. فأخرج من إنجلترا تصميم آلات صناعة الأنسجة الواسعة النطاق، وهكذا حمل الثورة الصناعية إلى ضفاف نهر ماريماك في مساشوسيس، فغير أساليب العمل في أمريكا إلى الأبد.
أدى وضع القطن الخام في الآلات، إلى البدء بقيام صناعة تمنح القوة لأمة شابه. أنتجت هذه المصانع سنوات ما يكفي من القماش للالتفاف مرتين حول الكرة الأرضية، بما يكفي للبيع في الوطن، وخارجه.
أدت المصانع أيضا إلى ولادة نوع جديد من الأمريكيين، هم عمال المصانع، وكانت غالبيتهم من الشابات، فتيات أرياف، تخلين عن المزارع، وجئن لكسب العيش بأنفسهن.
بدأت هاريوت روبنسون العمل في المصنع وهي في العاشرة من العمر.
كنت أعمل بداية في قاعات غزل النسيج،  وكان عملي يكمن بإزالة الكرارات واستبدالها بتلك الفارغة. كنا فتيات صغار نعمل من الخامسة فجرا وحتى السابعة مساء يؤذن لنا بساعة ونصف الساعة للإفطار والغداء. أي أننا بهذا السن كنا مجبرين على العمل  أربعة عشر ساعة في اليوم. أعتقد أنها ظروف عمل قاسية.
وجدت عاملة المصانع الأخرى لوسي لاركوم، أن العمل في المصانع  بالغ القسوة وغير إنساني. وقد اشتهرت لاحقا بكتابة الشعر والأدب.
كرهت السرعة الدائمة لكل شيء، ليس لدينا وقت كاف للأكل أو الشرب أو النوم، نصحو قبل بزوغ الفجر عند قرع الأجراس، وندخل المصنع مع قرع الأجراس، أما أثناء الدوام فكانت الطاعة كاملة على إيقاع قرع الأجراس. وكأننا جزء من آلة تنبض بالحياة.
لم أكترث يوما بالآلات، وكثيرا ما كان أنينها واحتكاك إطاراتها وصرير معادنها وهمسها يثير بي التعب. ما كنت أشعر بتعقيداتها التي لم تلفت اهتمامي بها.
كانت هذه أول مرة في التاريخ يجتمع فيها هذا العدد الهائل من النساء في مكان واحد مغلق للقيام بعمل مشترك. ولم يذهبن إلى هناك لأنهن زوجة شخص ما أو شقيقة أو قريبة أو ابنة أحد، بل كن هناك بصفة عاملات، يعشن معا ويعملن معا، ويفكرن معا ويتبادلن الآراء معا ليتخلصن من حياة الماضي كليا، فلم تستطع أي عاملة في  المصانع من العودة إلى المزرعة من جديد.
عنى الانفصال عن العائلة أو العمل الدائم  تحطيم الفؤاد كليا. أما بالنسبة للوسي وغيرها، عنا ذلك إحساس جديد بالفخر والاعتزاز والحرية الاقتصادية.
تنتمي فتيات المصانع إلى العالم الجديد وليس إلى القديم، وهن تتمسكن بتقاليد خاصة تورثها لأحفادها، ومن بينها ألا داعي لأن يكون العمل الشريف سببا يحط من مقدار المرء في كنف أمة كهذه، بل يعزز مكانته كحجر أساس في بناء هذه الجمهورية.
حر أم عبد؟
 
تحتاج  المصانع كي تستمر بالدوران إلى القطن الخام، الذي تؤمنه المزارع الجنوبية. سرعان ما تحول القطن إلى إنتاج رئيسي في الجنوب. يحتاج الجنوب إلى الكثير من الأراضي لزراعته بكميات كبيرة، وعبيد للعمل في هذه الأراضي.
جعل العبيد من القطن إنتاج مربح جدا، لهذا تعززت  العبودية من جديد رغم انحدارها البطيء مع نهاية أعوام الألف وسبعمائة. وقد جاء ذلك مترافقا مع تعزيز الصناعة والديمقراطية في البلاد.
شكل ذلك بالنسبة للعبيد نمطا من حياة البؤس التي تسودها لحظات من الإرهاب.
كانت العبودية نظاما تجعل من الإنسان مجرد ملكية خاصة. ما جعل أجيالا من السكان السود يبحثون عن سبل للبقاء على قيد الحياة ضمن ذلك النظام، دون التنازل عن إحساسهم الإنساني و كرامتهم.
فمن بينهم من لاذ بالفرار، ومن تأقلم مع ظروف العيش ويتقبل هذا النظام ومنهم من كان يقاوم يوميا دون أن يعمل جيدا، ويدمر الأدوات سعيا منه لإبطاء العملية الإنتاجية.
جرى اختطاف المواطن الأمريكي الأسود سلمون نورثو، من شوارع واشنطن، وأجبر على العمل كالعبيد في مزارع القطن في لويزيانا.
يبدأ موسم جمع القطن في نهاية شهر آب أغسطس. من تقاليد العمل في الحقول الجديدة، أن يرسل رب العمل بعبد لأول مرة إلى الحقل ويخضعه للجلد أثناء العمل طوال اليوم ليجبره على جمع أكبر كمية ممكنة من القطن وبأسرع ما يمكن. تخضع الكمية للوزن عند حلول الليل لتحديد قدرته القصوى على جمع القطن. وهكذا يدرك العبد أن عليه جلب نفس الكمية مع نهاية أيام العمل التالية. أما إذا أخفق في ذلك، فسيكون هذا إثباتا على تقاعسه،  فيستحق على ذلك أن يجلد عقابا وتأديبا له.
يصعق زوار مزارع القطن بما يرونه من قسوة هناك. أمضت الممثلة البريطانية فاني كامبل عدة أشهر في مزرعة  لزوجها في جيورجيا.
لا أعتقد أرى من المناسب أن ينشأ طفل مثل ولدي في منزل تحيط به المزارع التي يعمل فيها العبيد.
ما أن تحدثت عن أرجوحة حتى قام أحد العبيد بتركيبها وجاء بعبد صغير ليؤرجح طفلها. يشعرني ذلك بالرهبة، لهذا جب أن أعثر على طريقة أنتقل بها مع طفلي  من هذا المكان البائس المحاط بالأحزان.
كان المزارع بشق عائلة العبيد، لكسب المزيد من المال، والمحافظة على النظام. ورد في رسالة كتبتها امرأة عبدة لابنتها إيمي التي فصلت عنها ما يلي..:
ابنتي العزيزة، كثيرا ما أتمنى رؤيتك مرة أخرى في هذا العالم، ولكن هذه التمنيات قد ألغيت إلى الأبد. ابنتي الحبيبة إيمي، إن لم نلتقي في هذا العالم آمل أن تجمعنا السماء يوما، حيث لا يفصل بيننا أحد. أدعو لك بالتوفيق حيثما كنت، وأتمنى أن تحافظي على الإيمان إلى الأبد.
ثورة نات تورنر
 
شهدت فيرجينيا عام ألف وثمانمائة وواحد وثلاثون حدثا بارزا هز الجنوب بكامله. حيث تمرد العبيد على أسيادهم. لم يستمر ذلك أكثر من ليلة واحدة.
ثار ستون عبدا بقيادة نات تورنر البالغ من العمر اثنين وثلاثون عاما، كان يدعي بأنه جاء ليخلص السود من براثن عبودية البيض. 
ذبحوا أكثر من خمسين شخصا من البيض، غالبيتهم من النساء والأطفال. تمكنت المليشيات المحلية من سحق الثورة في اليوم التالي. ولكن نات تورنر بقي حيا لعدة أسابيع.
انتهت الثورة بإعدام تورنر وعدد من أتباعه. إلا أن معركة العبودية أنهكت البلاد بكاملها.
اندفاع البلاد نحو الغرب
 
ما كان لشيء في تلك الفترة أن يتغلب على الروح الديناميكية للجمهورية الشابة. وما كان لأحد أن يثق بنمو أمريكا وقدرتها على النجاح من أندرو جاكسون.. شهرته بمقاتلته الهنود ونجاحه في حرب نيو أورليانز التي جرت عام ألف وثمانمائة واثني عشر، جعلته يرمز إلى أمريكا الجديدة، لأنه ينحدر من أصول فلاحية فقيرة، تمكن بعدها من جمع الثروة عبر الزواج والعبيد والتجارة بالأراضي.
يحتقر جاكسون المال الذي يسيطر على الحكومة، وكان يقول: على المواطن والعامل العادي في المجتمع الديمقراطي أن يتمتع بحرية الكلمة والانتخاب، إلى جانب جزء من الثروة أيضا. كانت تلك نظرة صائبة، أوصلته إلى البيت الأبيض.
وقفت عقبة بشرية كبيرة في طريق جاكسون. هي قبائل الكريك، والشريكي، والسمنول، وغيرها من تلك التي عرفت بالقبائل المتحضرة الخمس، التي تحتل الأراضي الجديدة التي أراد جاكسون  توزيعها على أصدقائه ومؤيديه.
عمل بعضهم بقسوة مثل الشيراكي ليصبحوا مواطنين أمريكيين صالحين.
كانت جمهورية الشيروكي تجربة سياسية مبدعة شبيهة جدا بما فعلته الولايات المتحدة حينها. كانت تعتمد دستورا، وتنشر القراءة والكتابة بلغتها الخاصة، وعدد من المدن والمزارع، والعبيد أيضا.
كانت تدير أراضي فيها مناجم ذهب وأخرى خصصت لزراعة القطن،  وعندما حل عصر جاكسون برزت أمامه هذه المشكلة. لو عاشت قبائل الشيروكي في ظروف من البؤس وسط الجبال لما واجه أي صعوبات، أما أن يتمكن الشيروكي من تحقيق النجاحات على طريقتهم، وهم أمريكيون على طريقتهم الخاصة أيضا، فهذا أمر لا يمكن القبول به.
عام ألف وثمانمائة وثلاثون، وقع جاكسون على ميثاق إجلاء الهنود، الذي أجبر جميع الهنود على التوجه إلى الغرب من نهر مسيسبي.
كانت ريبيكا نوغن من قبائل شيروكي مجرد طفلة بعد عندما قامت الوحدات الأمريكية بإخراجها وعائلتها من وطنهم.
عندما جاء الجنود إلى بيتنا أراد والدي أن يقاتلهم، ولكن أمي حذرته من أن الجندي سيقتله إذا فعل، فاستسلمنا بدون قتال. فخرجنا من البيت للانضمام إلى مجموعات أخرى من الأسرى في عربات نقل تجارية.
لم يجد غالبية أبناء الشيروكي  خيار آخر إلا اتباع قوافل المهاجرين بالقوة، التي اشتهرت لاحقا، بدروب الدموع، نحو الأراضي البعيدة لما يعرف اليوم بأوكلاهوما.
مات منهم آلاف مؤلفة من الذين وقعوا  ضحايا انتشار الأمراض والجوع وبرد الشتاء.
ميثاق خلف آخر وعام بعد عام،  وجد الهنود أراضيهم تبتلع أمام أعينهم مساحة بعد أخرى، حتى ابتلعت بالكامل.
البيان المصيري
 
بعد التوسع الأمريكي نحو الغرب بدأ مفهومهم للحرية يثير المخاوف.
شعر سام هيوستن ومن معه من العشرين ألف مستوطن الذين كانوا يسكنون في الأراضي المكسيكية المعروفة بتكساس، شعروا بالخوف من أن تجتاح الحكومة المكسيكية أراضيهم والنيل من حرياتهم. كما أرادوا حرية امتلاك العبيد، رغم أن ذلك ممنوع ضمن القوانين المكسيكية. بعد أن رفض سكان تكساس المراهنة على سبل حياتهم وممتلكاتهم، أعلنوا قيام جمهورية خاصة بهم.
لاستعادة الأراضي التي استولى عليها الثوار قام الجيش المكسيكي بقيادة الرئيس سانتا آنا، بالتوجه نحو الشمال، ولم يجدوا أمامهم إلا وحدات مبعثرة يقودها سام هيوستن عضو الكونغرس السابق وحاكم تينيسي، الذي يتميز ببراعته في قيادة الرجال وتدريب الجنود.
في الثالث والعشرين من شباط فبراير من عام ألف وثمانمائة وستة وثلاثين، هاجم سانتا آنا مدينة سان أنطونيو.
عند موقعة عرفت باسم ذي ألامو، تمكن مائة وسبعة وثمانون رجل من بينهم ديفي كروكيت وجيم بوي، من الصمود ببطولة مميزة. ليسجلوا يوما بعد يوم أساطير  من التحديات التي أوقعت خسائر فادحة في صفوف العدو.
في اليوم الثالث عشر من الحصار، تمكن المكسيكيون من اجتياح ألامو. جرى بعد ذلك إعدام الباقون على قيد الحياة في المعركة بما فيهم الجرحى. ثم أحرقت جثثهم.
بعد شهرين فقط تمكن سام هيوستن ورفاقه من الانتقام. كانت الجحافل الأمريكية تصرخ أثناء الهجوم، تذكروا الألامو، حتى سحقوا الجيش المكسيكي، وقبضوا على سانتا آنا، وفرضوا استقلال تكساس.
كان ذلك عصر من التوسع الجغرافي المنقطع النظير، الذي برر فيما عرف بالبيان المصيري، حيث يقال بأن للأمريكي حق مطلق بإقامة إمبراطورية شاسعة من الفرص والحريات. كتب هذا البيان الصحفي الأمريكي جان إل أو سوليفين.
لا يتحقق ما يرد في البيان المصيري، إلا إذا وسعنا الحدود عبر القارة إلى أرجاء أخرى تكفي لما لدينا من ملايين تتضاعف أعدادها عاما بعد عام.
وهكذا توجهت أمريكا بعد ذلك للاستيلاء على ما تبقى من الأراضي المكسيكية، التي تصل إلى المحيط الهادئ. عام ألف وثمانمائة وثمانية وأربعين تمكنت الولايات المتحدة الأمريكية من الاستيلاء على جميع أراضي الجنوب الغربي، وثروات كليفورنيا. سرعان ما ثبت بأن هذه الآفاق هي أكثر قيمة مما تخيل أي إنسان على الإطلاق.
الذهب!
 
كان الرابع والعشرين من كانون الثاني من عام ألف وثمانمائة وثمانية وأربعين، يبدو وكأنه يوم اثنين عادي جدا، إلى أن عثر على جزيئات صخرية صغيرة من الذهب، في عدد من الطواحين في كليفورنيا.
إنه الذهب!
في العام التالي توجه الحالمون بالذهب نحو الغرب، على أمل أن يصبحوا أثرياء، فأطلق عليهم لقب جيل التاسع والأربعين.  برزت بين عشرات الآلاف من أصحاب التمنيات، العروس الشابة كارولين هون، وزوجها المحامي.
كان العصر الذهبي حينها في أوجه، يذهب إليه الكبير والصغير على حد سواء. فتساءلنا من سيذهب منا، كيف نضمن ظروف العيش هناك، أي نوع من الملابس والأطعمة سنحمل معنا؟ كثيرا ما كانت النصائح تسدى مجانا، دون أن تمتاز بالمنطق أحيانا. 
لم نجد من الأحياء هناك إلا الهنود والسحالي والثعابين، جميعها تحاول البقاء على قيد الحياة. كانت المعلومات المتوفرة لا تصف الظروف البائسة بدقة. فبزوغ الشمس بألوانها من خلف الهضاب صباحا لا يكاد يحتمل خلال النهار من شدة الحرارة، أما في الليل فتثير ظلال الهنود وخيالاتهم الخوف والرعب في الليل. لا ينقص إلا انتشار القرون لاكتمال صورة الجحيم هناك.
تمكنت كارولاين وزوجها المحامي من الوصول إلى هدفهما بأمان، حيث تبين لهما بأن المحامي يجمع أكثر بكثير من غالبية عمال المناجم، وهكذا استقر بهم الحال في بلدة قريبة من المناجم حيث تمتعوا بالنمو والازدهار.
استخرج  مائة ألف عامل مناجم في ذروة عام ألف وثمانمائة واثنين وخمسين ما يزيد عن واحد وثمانين مليون دولار من ذهب أرض كليفورنيا. أي ما يوازي اليوم ثلاثمائة مليون دولار.
جاء الباحثون عن الثروات عبر الهادئ، للحصول على فرص لهم. إنهم فقراء الصين الذين هربوا من حروب الأفيون وظروف البؤس العصيبة. كانوا قد سمعوا بمكان اسمه قام سان، أي جبل الذهب. عام ألف وثمانمائة واثنين وثمانين وصل أكثر من عشرين ألف صيني للعمل في مناجم كليفورنيا. تنص القوانين الأمريكية على أن يتركوا زوجاتهم وأطفالهم خلفهم، ولكن نداء الثروة والنعيم أكبر من أن تقاوم بسهولة. وهذا ما يقوله الصيني فوكس أون..:
خرجت متوجها إلى جبل الذهب، أحمل معي وسادة فعبرت البحار على متن سفينة من خشب المامبو، تاركا خلفي زوجتي وأخواتي بحثا عن المال. لم أعد أنعم بزوجتي، ولا أعير احترام يوميا لوالدي.
كان الصينيون جزء من موجات المهاجرين الكبيرة التي تدفقت إلى الولايات المتحدة، لبناء حياة أفضل. زرع الألمان والسويديون الأراضي الخصبة، وشيد الايرلنديون الطرقات على طول البلاد التي توسعت عبر القارة.
ليس من السهل بناء وطن جديد، ولكنها فرصة سانحة للتخلص من الفقر واليأس.
مطالبة المرأة بالعدالة
 
الحرية في أمريكا بالنسبة للمرأة المهاجرة أو المولودة هناك هي أكثر من مجرد البحث عن حياة أفضل، فهي تعني العدالة أيضا.
في المصانع والمعامل، في قاعات الدراسة والاجتماعات، في المدن والبلدان الجديدة، عاملات ومدرسات وزوجات رفعن أصواتهن عاليا مطالبات بحقوقهن.
منذ أول ميثاق صدر في سينيكا نيويورك عن حقوق المرأة عام ألف وثمانمائة وثمانية وأربعين، كتبته إليزابيث كيتي ستانتين، فورد به ما يلي..:
نأمل أن تشكل هذه الأدلة إثبات، على أن الرجال والنساء يستحقون المساواة، وبالتالي لا بد من إزالة  جميع القوانين التي تحول دون احتلال المرأة لمراكز مرموقة في المجتمع، على اعتبار أن كل ما يجعلها في مرتبة أقل من الرجل، مناقض للطبيعة،  وبالتالي لا تتمتع بالقوة أو السلطة.
تابعت المرأة كفاحها من أجل الحرية عبر الروح المعنوية  الأمريكية طوال عقود متتالية.
لينكون
 
عام ألف وثمانمائة وستين، أصبح العديد من الأمريكيين يعارضون نظام العبودية. ما اعتبره الجنوبيين تحديا لمفهومهم للحرية.
لم يستفز الجنوب شيئا أكثر من انتخاب رجل يكرهونه. أبراهام لينكون.
اعتبر الجنوب ان لينكون يشكل تهديدا كاملا لسبلهم في الحياة، علما أن لينكون كان أشد اهتماما بالحفاظ على الاتحاد من إلغاء العبودية. وقد قال في خطاب انتخابه رئيسا..:
لا أرغب إطلاقا بالتدخل بطريقة مباشرة أو غير مباشرة في نظام العبودية السائد في أي ولاية كان. لهذا أعتبر أن إشعال الحرب الأهلية مسألة أصبحت في أيديكم وليست بين يدي. رغم التوتر القائم اليوم، يجب ألا يؤدي ذلك إلى تحطيم أواصر الروابط بيننا. ذكرى جميع الضحايا الذين سقطوا في ساحات المعارك ما زالت تدق ناقوس تعزيز الاتحاد القائم.
فات الأوان، بعد أن أوشكت تلك الروابط على التمزق.
الحرب!
 
يوم الثامن عشر من نيسان أبريل من عام ألف وثمانمائة وواحد وستين، أعلنت أحد عشر ولاية انفصالها عن الاتحاد. فطرح جيفرسون ديفيس رئيس الكنفدرالية الجديدة سؤال يقول:..
هل تكون عبدا ومستقلا؟ هل تقبل بأن تحرم من ملكيتك؟
الثامن عشر من نيسان أبريل. شارلستون جنوب كارولينا. مدافع الكونفدرالية أصبحت جاهزة. عند بزوغ الفجر أطلقت قذائف مدافعها نحو مواقع الاتحاد في قلعة سامتير، التي تتوسط الميناء.
جلست ماري شيسنير زوجة قائد الكونفدرالية تراقب الوضع من فندقها فكتبت تقول:..
لا يمكن القبول بالعبودية، وكيف نقبل بها؟
إذا رفض الاتحاد القبول بالشروط سيواجه القذائف. تمنيت أكثر من أي وقت مضى بأن يسود السكون حول أرجاء البيت، ولكن يبدو أن كل شيء يسير باتجاه واحد، حيث تنفجر القذائف، وهدير المدافع المعتاد. كلما اكتفينا نحن بالدعاء كلما ازداد تورط الرجال، ويتزايد سقوط القذائف في الأفق، على مرأى من أعيننا. والجميع يستغرب ألا يصدر عن القلعة قذيفة رد واحدة.
بعد أربع وثلاثين ساعة، تحولت القلعة إلى ركام. فأمر القائد الفدرالي الميجر أندرسون، بإنزال العلم، ليرفع مكانه غطاء سرير أبيض.
بعد يومين من ذلك، وفي الخامس عشر من نيسان أبريل، دعا لينكون لتجنيد خمسة وسبعون ألف متطوع، يشكلون جيشا للدفاع عن الاتحاد.  لم يتوقع أحد أن كسب الحرب سيستغرق فترة طويلة، لهذا طلب من الوحدات أن تجند لثلاثة أشهر فقط.
لم يكن التفاؤل مبررا. فعلى مدار خمس سنوات من الحروب الضارية، سقط ستمائة وعشرون ألف قتيل.
كانت الحرب الأهلية في الجنوب سعيا بائسا من أجل البقاء،  خاصة وأن الشمال يتفوق عليهم بالعدد والعدة والسلاح والقدرة على الإنتاج. كما تنبه الكثيرين منهم بأنهم يقاتلون من أجل قضية أصبح العالم أجمع يدينها.
عنت هزيمة الجنوب القضاء على حضارته بالكامل، فكر لينكون وغرانت وشرمن وغيرهم بالأمر وأصروا على إشعال حرب كاملة، غير متحضرة على الإطلاق.
أنتيتام
 
خريف عام ألف وثمانمائة واثنين وستين، شهدت أنتيم كريك خارج شاببريغ ميريلاند، صدام بين الوحدات الاتحادية  والكونفدرالية، وذلك في يوم هو الأكثر دموية في الحرب. حيث تم الاستيلاء على حقل واحد من الذرة ثلاثة عشر مرة. وذلك بمواجهة وقعت بين ستين ألف من وحدات القوات الاتحادية بقيادة الجنرال مكنولين و الوحدات الكونفدرالية، بقيادة الجنرال روبيرت إي لي. كتب أحد ضباط هذه المجزرة عنا مشاهداته فيها يقول:..
 كنا على مسافة قريبة جدا من الجانب الآخر بحيث يمكن النيل من عناصره بسهولة، وكنت آمر بإطلاق النار على الجنود الذين يواجهونا في الخط المباشر.   حتى أصبت برصاصة في ساقي الأيمن، وكان رجالي على الميمنة والميسرة يتساقطون كالأشجار. كنت أتمكن من السير إلى الأمام لأعزز معنويات جنودي. ما كنت لأتخلى عنهم في مثل تلك الأزمات، رغم إصابتي لاحقا برصاصة في الكتف. ومع ذلك لم يقبل العديد بمغادرة ساحة المعركة حتى انتهائها مع حلول الليل.
ومع حلول الليل، ضحى ستة آلاف رجل بين اتحاديين  وكونفدراليين بحياتهم. بينما أصيب عشرون ألف آخرين بجروح عميقة، دون أن يتضح من المنتصر،  رغم المجزرة وخسائرها.
إعتاق
 
بعد معركة أنتيدوم بقليل اتخذ لينكون خطوة حاسمة، فقد أصدر ميثاقا يعلن فيه إعتاق العبيد وإطلاق سراحهم.
كل شخص يعامل كعبد في أي مكان من الولايات المتحدة أيا يكن، حتى في المناطق التي تشهد تمردا ضد الولايات المتحدة، هو حر طليق منذ هذه اللحظة وإلى الأبد.
أعتقد أن إعتاق العبيد شكل منعطف حاسم في الحرب المدنية، فقد حول الحرب من نزاع لتعزيز الوحدة إلى حرب من أجل فقد حول الحرب من نزاع لتعزيز الوحدة إلى حرب من أجل إعتاق العبيد، ما برر الخسائر البشرية الهائلة التي سقطت وتلك التي ستسقط لاحقا في السنوات التالية للحرب. فقد جندت المواطنين السود في الجيش لأول مرة ما منحهم الحق بالجنسية بعد انتهاء الحرب. أي أن هذا سيعني تغييرا جذريا في مجتمعات الجنوب بعد الحرب، وبالتالي ضرورة قيام علاقات اجتماعية جديدة.
وهكذا فإن كل هذه الأسباب مجتمعة تبرر تحول أسباب الحرب الأهلية، التي بلغت حينها منعطف هام في تاريخ الولايات المتحدة.
وهكذا وقف السود الأحرار والعبيد المحررين مستعدين للدفاع عن الاتحاد. ولكن الضباط الفدراليون ترددوا باستخدامهم في المعارك.
أثناء الحرب الثورية سمح واشنطن للسود الأمريكيين بالقتال، والآن وقف لينكون يتحدى جنرالاته.
تقولون أنكم لن تقاتلون لتحرير السود، مع أن بعضهم مستعد للقتال من أجلكم. عندما نحقق النصر، سيكون هناك بعض الرجال السود الذين يتذكرون أنهم، بلسان صامت، وأسنان  مطبقة، وعيون جاحظة وبنادق مسددة بإحكام، تمكنوا من مساعدة الجنس البشري للقيام بهذا العمل الرائع.
وأخيرا قاتل مائة وثمانون ألف أمريكي أسود من أجل الاتحاد. كانت غالبيتهم العظمى تعمل في فرق منفصلة يقودها ضباط بيض. وقد ضحى ثمانية وثلاثون ألف بحياتهم في سبيل الحرية.
ضمن مفارقة لا تصدق أخذ  الجنرال روبيرت إي لي بعين الاعتبار في فترة لاحقة من الحرب فكرة استخدام العبيد في المعارك من أجل الكونفدرالية.
فرد عليه أحد الجنرالات الجنوبيين بالقول:
إذا كان السود يصلحون للحرب، فإن نظرية العبودية التي نتبعها تصبح خاطئة.
غيتيسبورغ
 
طوال ثلاثة أيام من صيف عام ألف وثمانمائة وثلاثة وستين،  ذبح الشمال  والمتمردين بعضهم بعضا في معركة طاحنة سجلت منعطفا حاسما في الحرب.
بعد مناوشات بين الوحدات المتقدمة، طلب كل من الطرفين المزيد من التعزيزات، وسرعان ما أصبح مائة وثلاثة وستون ألف رجل يواجهون بعضهم البعض. ينشدون الموت جميعا.
وصف أحد جنود الاتحاد قتاله ضد الوحدات المعادية بالقول:..
تقدم الكونفدراليون بنظام رائع، بخطوات رجال يعتقدون أنهم لا يهزمون، أطلقت وحداتنا النار على الصفوف الأولى، فلم تهتز وحداتهم بل عملت على رص الصفوف لتحل محل القتلى الذي سقطوا. إلى أن تقاربت الوحدات من بعضها ولم نعد نميز الكونفدرالي من الاتحادي وسط اشتباكات بالسلاح الأبيض في وضح النهار، فأودت هذه المعركة بخسائر كبيرة بينهم.
قتل سبعة آلاف رجل، وأصيب خمسة وأربعون ألف آخرون بجروح. في اليوم الرابع أجبر الجنرال لي على الانسحاب نحو فيرجينيا الآمنة، بعد أن انقسم ظهر القوة الكبرى للكونفدراليين.
كان النصر هنا واضحا، على خلاف ما جرى في أنتيدام،
بعد شهرين من ذلك وفي تشرين الثاني نوفمبر، توجه لينكون إلى غيتيزبيرغ، حيث افتتح مقبرة لقتلى الاتحاديين، حيث قال:..
قبل أربعة عقود وسبعة أعوام من اليوم، وصل أجدادنا إلى هذه القارة وهم يرفعون شعار العمل من تحقيق الحرية والمساواة بين جميع البشر. ونحن اليوم منهمكون في حرب أهلية، للتأكد مما إذا كانت تلك الأمة أو غيرها يمكنها الاستمرار طويلا. ما كان لهؤلاء القتلى أن يسقطوا دون جدوى، ولا بد لهذه الأمة أن تعزز تمسكها بالحرية من جديد،  كي لا تتلاشى عن وجه الأرض الحكومات التي يختارها الشعب من بين صفوفه كي تعمل لخدمته.
نهاية الحرب
 
أشكر السماء على أني عشت كي أرى هذا،  وكأني كنت أرى كابوس دام أربع سنوات وها هو يأتي اليوم إلى نهايته.
بعد أربعة أعوام من استسلام قلعة سمتر، عاد علم الحرية، علم الاتحاد يرفرف مرة أخرى.
وقد أمر برفعها الضابط نفسه، الميجر جنرال أنديرسون، الذي سبق أن رفع راية الاستلام مكانه.
بعد أقل من اثني عشر ساعة، وقعت كارثة أخيرة، عندما تعرض لينكون للإغتيال.
أيها القبطان سيدي القبطان، لقد انتهت رحلتنا المخيفة، تخطت السفينة كل الصخور، حتى وصلنا إلى الهدف المنشود، اقترب الفرج والأجراس التي أسمعها تعلن حماس  جميع الناس. ولكن أيها القلب الذي يعتصر، قطرات من الدمع الأحمر، نحن على السفينة مع قبطان، بردت عروقه، ومات.
نطق الجنوب المدمر بصوت امرأة قالت فيه:..
لم يعتقد قادتنا أن الشمال سيقاتل، يا رجالنا العميان، سالت أنهر من الدماء بغزارة. وأين نحن اليوم، من شعب أخضع وهو يعاني الدمار؟ ما هو مستقبلنا؟
الحرية أخيرا
 
تحقق الأمل بالنسبة للأمريكيين السود، حين أقر البند الثالث عشر من الدستور الذي يمنع العبودية بالقانون. أما البندين التاليين فيمنحهم جميع حقوق المواطنية.
تتذكر لويزا بوز روز اليوم الذي سمعت فيه مع أفراد عائلتها الخبر بالقول:..
 كان والدي في الماء التي غمر نفسه فيها كليا، وكأنها السعادة تغمره، حمل بين كفيه الماء ويضعه فوق رأسه وهو يصرخ: صرت حرا صرت حرا صرت حرا.
المسألة الرئيسية التي استحقت رعاية واهتمام بعد انتهاء الحرب الأهلية من قبل الجنوب والشمال ومن قبل البيض والسود هي كيفية التعامل مع إعادة تشكيل البنية الاجتماعية في  بعد التخلص من العبودية. بعبارة أخرى ماذا تعني الحرية  التي نالها العبيد من خلال الحرب الأهلية.
تمتع العبيد سابقا بإدراك كامل حول ما تعنيه الحرية التي لم تقتصر بالنسبة لهم على إطلاق سراحهم بل تمتعهم بالحقوق الكاملة والواجبات الكاملة أيضا التي يتميز بها الأمريكي الحر.
إنه مفهوم من الحرية لن يتعرض للدمار أبدا.
تكمن المسألة الرئيسية في ألا يتحكم بك شخص آخر، وهذه مسألة ما زالت في منتهى الأهمية بالنسبة للأمريكيين الأفارقة، ذلك أنهم استمروا في الكفاح من أجل هذه الحرية، ما أبقا تلك الفكرة حية.
أمة متجددة
 
بعد تلك الآلام والمآسي انتصرت الحرية. حمل انتهاء الحرب الأهلية انفجار صناعي في البلاد. تعززت حرية الحدود الغربية جدا، ورغم بعد المسافة، بذل الأمريكيون ما بوسعهم للوصول إلى هناك.
بعد سنوات من انتهاء الحرب التقى الشرق بالغرب عبر وسط صحراء يوتا. يقال أن هذه واحدة من أهم المشاريع العمرانية منذ بناء الأهرام. إذ أنها خطوط تجمع شرقي البلاد بغربها، وتوحد البلاد بخطوط من الحديد والخشب.
أصبحت العصور الذهبية على بعد قاب قوسين أو أدنى.
بعد الشجاعة والإقدام والمجازر الدموية، وبعد تغيير ملامح القارة، صارت أمريكا جاهزة لتحويل نفسها مرة أخرى، لتصبح هذه المرة عملاق صناعي، وشعار للحرية عبر العالم.
 
--------------------انتهت.
إعداد: د. نبيل خليل

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق