مستقبل الإسلام السياسي غراهام فولر - شهية الطبخ المغربي
7

مستقبل الإسلام السياسي

مستقبل الإسلام السياسي
اسم الكتاب: مستقبل الإسلام السياسي
المؤلف: غراهام فولر
نيويورك، بالغراف مكميلان، 2004
Graham Fuller
The Future of Political Islam


يناقش هذا الكتاب سؤالين رئيسيين: هل يمثل الإسلام السياسي آخر معاقل المقاومة للحضارة الإسلامية أمام مدّ العولمة ذات الطابع الأمريكي، أم أنه يمثل بداية دمج الإسلام مع الحاضر بحيث يتمكن المجتمع المسلم والحضارة الإسلامية من الدخول للقرن الجديد أكثر ثقةً بأسسها الحضارية؟
وللإجابة عن هذة التساؤلات وغيرها يناقش (فولر) عبر فصول كتابه العشرة ما إذا كانت ظاهرة الإسلام السياسي مجرّد حالة انتقالية لمرحلة صعبة في تاريخ العالم الإسلامي أم أنها بداية تحوّل وتغيير حقيقيين.
يبدأ (غراهام فولر) من أشواق المسلمين لاستعادة مجد الماضي، وما حققته الحضارة الإسلامية على المسرح العالمي، والتي أعقبها حالة من التراجع الحضاري والتهميش، وما يلعبه هذا من دور في بناء تصورات المستقبل، ويتتبع بدايات الحركات الإسلامية وتطورها وإمكانياتها في إحداث تغيير حقيقي، ثم ينتقل إلى الزمن المعاصر، ويتناول الأدوار المتعددة التي يلعبها الإسلام السياسي اليوم عبر المجتمعات المختلفة، ويؤكد أن جميع هذه الأدوار ليست واضحة وجلية لمعظم الدارسين الغربيين بالرغم من أن هذه الأدوار المتعددة هي التي سُتبقي للإسلام السياسي دوراً رئيساً على المسرح السياسي في العالم الإسلامي، فالثقافة السياسية في العالم الإسلامي اليوم تركّز على عدد من القضايا الأساسية كالعدالة الاجتماعية، والحاجة لبوصلة أخلاقية، وحفظ الحضارة الإسلامية، وإعادة بناء قوة وكرامة العالم الإسلامي، والمنعة ضد تهديدات القوى الخارجية، ومشروعية الحكومات، والرفاه الاجتماعي، والعدالة الاقتصادية، وأهمية وجود حكومة نظيفة وفعّالة، ويلاحظ فولر أن الجدال والنقاش على المستوى الشعبي ليس حول قيام دولة إسلامية أو علمانية؛ وإنما ينصب على ماهية النظام الحكومي وأي الأحزاب أقدر على تناول وتحقيق هذة القضايا الأساسية.
إن الإسلاميين مجموعة متنوعة من الحركات السياسية والمبادئ والفلسفات التي تستقي جميعاً من الإسلام لتنتج أجندات وبرامج مختلفة في أزمان مختلفة. إلا أن هذه الحركات في مجملها تمثل أداة إسلامية حضارية للتعبير عن مجموعة واسعة ومتنوعة من الحاجات السياسية والاجتماعية، وشكل التعبير الإسلامي المحلي يعكس الثقافة السياسية المحلية، والحاجات والتطلعات الخاصة لمجتمع معين تحت قيادة معينة في زمن معين.
وفي العموم، عادةً ما يكون خطاب الإسلاميين ذا نزعة وطنية معادية للغرب، غير أنهم قد يُبدون قدراً من البراغماتية في هذه المسألة أيضاً إذا لم يواجهوا تحدّياً وجودياً من الولايات المتحدة.
ونظراً إلى أن الإسلاميين لم يُجَرّبوا بعد في السلطة، فإنهم يتمتعون بشعبية بين الناس في حين أن باقي الأيدولوجيات جُرّبت وأثبتت عدم نجاحها.
ويشير (فولر) إلى أن الصراع بين الأصوليين والمعتدلين ما زال في بداياته، وهو ما أنتج هذا التدرج الكبير عبر الطيف الإسلامي. وبالرغم من أن الأصولية ليست بالشيء الجديد إلا أن الضغوط السلبية محلياً وعالمياً على المجتمعات المسلمة من شأنها أن تعزّز من ردة الفعل الحضارية بالعودة نحو الأصول، بمعنى أن الأصولية الإسلامية ستجد تربة خصبة في أوساط البيئات ذات الظروف المعيشية والاجتماعية القاسية في العالم الإسلامي.
وفيما يتعلق بالمعطيات الدولية وما يحدث على المسرح السياسي العالمي من تداعيات لتيار العولمة الطاغي، فالإسلاميون في موقفهم وتعاطيهم مع هذا التوجه العالمي لا يختلف كثيراً عن العديد من الحركات التحرّرية والوطنية في العالم الثالث سواء تلك في أمريكا اللاتينية أو في أفريقيا أو في شرق آسيا، غير أن هذه الحركة التغييرية كغيرها مضطرة للتعامل مع تحدي التحديث والتمدّن، وما ينجم عنه من تغييرات اجتماعية واقتصادية وسياسية. بحيث تعمل على رفع وطأة ضغوط الحياة المدنية وتقدّم إطاراً أخلاقياً وقيمياً عاماً يحافظ على التماسك والانضباط الاجتماعي، ولذلك يرفع الإسلاميون شعار العدالة الاجتماعية ضمن الإطار الاجتماعي التقليدي ويعارضون كل ما هو غربي وأمريكي.
الإسلام والإرهاب
بالرغم من أن الإسلام السياسي والحركات الإسلامية كانت دائماً تحت الضوء تحديداً لإنها ناشطة في واحدة من أهم بقاع العالم اقتصادياً وسياسياً، إلا أن الاهتمام تزايد بفهم ودراسة هذة الحركات بعد أحداث 11 سبتمبر، واللافت أن تداعيات هذة الأحداث، والتي أنتجت الحملة الدولية للحرب على الإرهاب أحدثت تعاطفاً شعبياً واسعاً مع أنصار بن لادن، ليس تأييداً للإرهاب كفعل، وإنما تأييداً للنيل من الغطرسة الأمريكية والأنظمة القمعية التي استغلت الحملة للانقضاض على معارضيها والتنكيل بهم بتهمة الانتماء لتنظيمات إرهابية.
وبالرغم من أن أفراد تلك الحركات المتطرفة قليلون بالمقارنة بتعداد العالم الإسلامي إلا أن الغالبية الصامتة التي تؤيد وتناصر هذة الحركات لمجرد أنها ترى فيها محاولة جريئة لتغيير واقع بائس، هي التي يجب أن تحظى باهتمام الغرب وفقاً لفولر. ذلك أن الاستياء والغضب اللذين يعتملان في أوساطها سيصنعان الأجيال القادمة من المتشدّدين لتخلف تلك القيادات والكوادر يتم القبض عليهم في الحملة الحالية.
لكن، هل الإسلام أو الانتماء للحركات الإسلامية ينتج بالضرورة أفراداً يميلون للعنف؟ أم أن المسألة تخضع لطبائع الأفراد والنزعات الشخصية؟ (فولر) الذي يطرح هذه التساؤلات يصرّ على أن الإسلام في أصله ليس دين عنف، وإنما دين سلام وعدل كغيره من الأديان.
وفي حين أن بعض الحركات تصمم على صياغة أفكار متطرّفة ومتشدّدة نرى حركات أخرى تنهج نهجاً معتدلاً وكلتاهما مرجعيتهما الإسلام. أما نزوع الأفراد نحو العنف فذاك يعود للفرد نفسه ودرجة غضبه وأسلوبه في التغيير، ومما لاشك فيه أن الظرف المعيشي في الشرق الأوسط والعالم الإسلامي ككل تجعل الفرد معبأ ابتداءً ومستفزاً قبل أي تعبئةٍ أيدولوجية. ولذا فإن الإسلام يبدو لكثيرين وسيلة مناسبة لإحداث فعل تغييري في واقعهم أكثر من غيرها.
الإسلام والغرب
لعل مسألة الإسلام والغرب هي أكثر القضايا الحاسمة في مستقبل الحركات الإسلامية. هل ما تنبّأ به صامويل هننغتون حقيقة واقعة وأن صدام الحضارات أمر لا مناص منه؟ أم أن هناك عوامل موضوعية تتسبب في الإحتكاك القائم بين الغرب والعالم الإسلامي؟
مما لا شك فيه أن العالم الإسلامي يتميز من بين باقي بقاع العالم غير الغربي بامتلاكه فلسفة وعقيدة شاملة ومتماسكة للحكم والقانون والمجتمع. الأمر الذي يتيح للإسلام السياسي استمداد أكبر مصادر قوته من محاولة تمثيل هذا البديل الحضاري في الحكم والاجتماع لمقابلة النموذج الغربي السائد.
من جانب آخر فإن ليس بالإمكان تناول الإحتكاك بين الغرب والعالم الإسلامي دون التطرق لمسألة قيام إسرائيل والدعم الغربي، ذلك أن إسرائيل -للعديد من العرب- رمز ونتيجة للحقبة الاستعمارية، وبقاء القضية الفلسطينية معلقة يُبقي مشاعر العداء للغرب متّقدة. فجميع المسلمين مستفزّون ومحبطون بسبب الاحتلال الإسرائيلي الظالم للضفة الغربية وغزة، ومع حضور وضع القدس في الصراع صار العالم الإسلامي يتعامل مع الصراع انطلاقاً من زاوية أن هناك مقدّسات في خطر. وستبقى العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب في هذا الوضع المتهاوي والمتدهور حتى يتم التوصل لتسوية عادلة بنظر الجميع.
إن الهوة اليوم بين الغرب والعالم الإسلامي كبيرة جداً، فالغرب وإن كان ليس مطالباً بتبني جميع قيم وأفكار المسلمين ولا الإسلاميين، إلا أنه لا بد له من تحري وفهم مصدر وطبيعة هذة الهوة القائمة وأن يعمد جدياً إلى معالجة هذا الأمر واحتوائه قبل أن يصل لحدّ التفجّر.
مستقبل الإسلام السياسي
من المتوقع في العقدين القادمين أن تتزايد الضغوطات على الحركات الإسلامية مع تحقيقها لمكاسب سياسية على امتداد العالم الإسلامي. وسُيتوقع من الحركات المعتدلة، والتي لن تلقى المزيد من تحدّيات الوجود والبقاء أن تقدّم للجمهور بعض الإجابات والحلول الفعّالة لمشاكل الواقع.
من جانب آخر ومع استمرار السياسات الخارجية الأمريكية على ما هي عليه وإصرارها على الحرب ضد الإرهاب بشكلها الحالي فإن العلاقة بين الإسلام والولايات المتحدة ستبقى في تدهور، وستتأجّج مشاعر العداء في العالم الإسلامي تجاه أمريكا بل وستتزايد العمليات التي تستهدف الأمريكيين؛ مما سُيبقي أمريكا في حالة تصادم مع العالم الإسلامي. وهذا سينعكس على الجبهة الداخلية؛ إذ ستتعزز حالة التوتر القائمة بين المسلمين في الغرب والمجتمع الغربي الأمر الذي سيهدّد حقوقهم المدنية، وفي الوقت ذاته تقوم الأنظمة في العالم الإسلامي بالتضييق وملاحقة الحركات والمنظمات الإسلامية مما سيدفع بالكثير منهم نحو التطرف. بل قد يشتّت الكثير من تلك الحركات عن الأهداف الأساسية التي قامت لإجلها؛ كبناء المجتمع المسلم سياسياً واقتصادياً وأخلاقياً وعسكرياً. إذ سينصب اهتمامها على الدفاع عن نفسها وربما الانتقام. الحركات الوحيدة التي قد تُبقي على شيء من التوازن والإعتدال وتصرف جُلّ جهدها نحو بناء نسيج اجتماعي متماسك وجو سياسي سليم هي تلك الموجودة في ظل أنظمة تحافظ على حد أدنى من الممارسة الديموقراطية.
سينزع الإسلاميون لدعم حركات التحرر والانفصال للأقليات المسلمة في الدول غير المسلمة مثل الشيشان وكشمير وغيرها. أما محلياً فإن الإسلاميين سيكونون من أهم أدوات الإصلاح والتغيير في مجتمعاتهم خاصةً تلك المنغلقة.
كتاب "مستقبل الإسلام السياسي" لـ(جراهام فولر) من الكتب القليلة التي تنظر لظاهرة الإسلام السياسي بقدر من الموضوعية، ففولر على خلاف غالبية الكتاب الغربيين وضع نفسة على نفس الأرضية الحضارية التي تقف عليها تلك الحركات وحاول دراستها وتقييمها من ذي المنظار متخلياً إلى درجة كبيرة عن المعايير والرؤية الغربية في تقييم الأمور، ونقول إلى درجة كبيرة؛ لأن (فولر) في محاكمته لأداء نموذج السودان وإيران بل حتى في رسمه للشكل الأمثل للحكم والسياسة الذي ينبغي أن تصبو إليه تلك الحركات لم يرى أفضل من الديموقراطية الغربية كنهاية مثلى، غافلاً أن الحضارات المتنوعة قادرة على إفراز نُظم تنسجم معها بصرف النظر عن شكلها، فالمطلوب هو الوصول لنظام سياسي يحقق الحكم الصالح الذي يضمن العدل والحرية للجميع.
وعلى ذلك علّق فولر لـ(الإسلام اليوم): مبدئياً أنا منفتح لئن يجد العالم الإسلامي نموذجه الخاص، ولكن كيف نحقق ذلك مؤسسياً. أقصد المجتمع الإسلامي وإرثه السياسي يضع قيمة وتركيزاً على مصداقية وصدق الحاكم ولكن كيف نؤسس لذلك، كيف نترجم مؤسّسياً ضوابط الحكم الصالح، وكيف يأتي شخص للحكم ويعزل منه. في حين أن النظام الديموقراطي مبني أنه لا يمكن أن تولي شخصاً وتسلمه بشكل مطلق الإدارة معتمداً على قيمه ومثله، وإنما تأخذ بعين الإعتبار أن البشر يفسدون وينحرفون، ولذلك هناك نظام ومؤسسة تمكن من التخلص من أولئك سلمياً. فالقضية: ماذا نفعل حين يأتي للسلطة حاكم غير عادل بنظر المحكومين؟ يبنغي أن يكون هناك نظام يمكّن المحكومين من تحقيق رغباتهم وطموحاتهم أو على الأقل أن يكون لها تأثيرودور في أداء الحاكم".
من جانب آخر (فولر) والذي يؤكد في أكثر من مكان من كتابه أن حالة العداء للغرب وأمريكا في العالم الإسلامي مرجعها بالأساس للتدخل الأمريكي بالشأن المحلي والسياسات الأمريكية في المنطقة، غير أنه يعود لأن يطرح شكلاً لهذا التدخل، وكأن العالم الإسلامي "قاصر" يحتاج من يدير له شوؤنه. (فولر) فسّر ذلك لـ(الإسلام اليوم) قائلاً: "في العالم الحقيقي الأقوياء يتدخلون بشوؤن الضعفاء وتلك حقيقة تاريخية، وهذا جزء من الطبيعة الإنسانية. وأظن حتى في حالة وجود أمريكا مسالمة ستبقى تتدخل ولو جزئياً، فالعالم الإسلامي يقع في بقعة تمتلك إمكانيات مالية ونفطية مهمة لسائر العالم. غير أنني أعتقد أن مشكلة العالم الإسلامي والعربي أنه ما زال شاباً، فبعض دوله لا يتجاوز عمرها السياسي الخمسين عاماً، ولم يُعطَ فرصته لينمو ويتطور وحده. ولا أظن في المقابل أيضاً أن الأنظمة الملكية أو الحكام المنتخبين للأبد سيساعد أو يحل المشكلة. لكنني أعتقد أن الولايات المتحدة يمكنها أن تقدم الكثير في مجالي التعليم والصحة، وهذه مجالات مهمة ومفيدة للعالم الإسلامي، وهناك مؤسسات تعليمية كالجامعة الأمريكية في القاهرة، وتلك التي في بيروت وغيرها أدّت أدواراً مهمة ولم يُنظر لها على أنها مؤسسات استعمارية.
أظن أن أمريكا ينبغي أن ينصبّ جهدها ليس فقط على كسب الأصدقاء والحلفاء، وإنما مساعدة الدول على النمو والتوقف عن التدخل في الشأن السياسي. فما تقوم به الولايات المتحدة في سياساتها الخارجية ما هو إلا خيانة لقيمها المحلية".
وعن رؤيته لشكل وتطور دور الإسلام على المسرح السياسي فيقول (فولر): " لا أستطيع القول إن الدين لا يمكن له التأثير على السياسة، أو أنه لا يمكن السماح له بذلك، ولكن أظن أن التسوية الأمريكية والأوروبية في هذا الإطار هي الأنسب. بمعنى إن كان هناك قيم أخلاقية يؤمن بها فريق من الأمة فيجب تضمينها في السياسة ،ومحاولة عكسها على شكل تشريعات دون إلغاء حق الآخرين في محاولة ممارسة نفس التأثير لتضمين ما يؤمنون به".

مستقبل الإسلام السياسي غراهام فولر

مستقبل الإسلام السياسي

مستقبل الإسلام السياسي
اسم الكتاب: مستقبل الإسلام السياسي
المؤلف: غراهام فولر
نيويورك، بالغراف مكميلان، 2004
Graham Fuller
The Future of Political Islam


يناقش هذا الكتاب سؤالين رئيسيين: هل يمثل الإسلام السياسي آخر معاقل المقاومة للحضارة الإسلامية أمام مدّ العولمة ذات الطابع الأمريكي، أم أنه يمثل بداية دمج الإسلام مع الحاضر بحيث يتمكن المجتمع المسلم والحضارة الإسلامية من الدخول للقرن الجديد أكثر ثقةً بأسسها الحضارية؟
وللإجابة عن هذة التساؤلات وغيرها يناقش (فولر) عبر فصول كتابه العشرة ما إذا كانت ظاهرة الإسلام السياسي مجرّد حالة انتقالية لمرحلة صعبة في تاريخ العالم الإسلامي أم أنها بداية تحوّل وتغيير حقيقيين.
يبدأ (غراهام فولر) من أشواق المسلمين لاستعادة مجد الماضي، وما حققته الحضارة الإسلامية على المسرح العالمي، والتي أعقبها حالة من التراجع الحضاري والتهميش، وما يلعبه هذا من دور في بناء تصورات المستقبل، ويتتبع بدايات الحركات الإسلامية وتطورها وإمكانياتها في إحداث تغيير حقيقي، ثم ينتقل إلى الزمن المعاصر، ويتناول الأدوار المتعددة التي يلعبها الإسلام السياسي اليوم عبر المجتمعات المختلفة، ويؤكد أن جميع هذه الأدوار ليست واضحة وجلية لمعظم الدارسين الغربيين بالرغم من أن هذه الأدوار المتعددة هي التي سُتبقي للإسلام السياسي دوراً رئيساً على المسرح السياسي في العالم الإسلامي، فالثقافة السياسية في العالم الإسلامي اليوم تركّز على عدد من القضايا الأساسية كالعدالة الاجتماعية، والحاجة لبوصلة أخلاقية، وحفظ الحضارة الإسلامية، وإعادة بناء قوة وكرامة العالم الإسلامي، والمنعة ضد تهديدات القوى الخارجية، ومشروعية الحكومات، والرفاه الاجتماعي، والعدالة الاقتصادية، وأهمية وجود حكومة نظيفة وفعّالة، ويلاحظ فولر أن الجدال والنقاش على المستوى الشعبي ليس حول قيام دولة إسلامية أو علمانية؛ وإنما ينصب على ماهية النظام الحكومي وأي الأحزاب أقدر على تناول وتحقيق هذة القضايا الأساسية.
إن الإسلاميين مجموعة متنوعة من الحركات السياسية والمبادئ والفلسفات التي تستقي جميعاً من الإسلام لتنتج أجندات وبرامج مختلفة في أزمان مختلفة. إلا أن هذه الحركات في مجملها تمثل أداة إسلامية حضارية للتعبير عن مجموعة واسعة ومتنوعة من الحاجات السياسية والاجتماعية، وشكل التعبير الإسلامي المحلي يعكس الثقافة السياسية المحلية، والحاجات والتطلعات الخاصة لمجتمع معين تحت قيادة معينة في زمن معين.
وفي العموم، عادةً ما يكون خطاب الإسلاميين ذا نزعة وطنية معادية للغرب، غير أنهم قد يُبدون قدراً من البراغماتية في هذه المسألة أيضاً إذا لم يواجهوا تحدّياً وجودياً من الولايات المتحدة.
ونظراً إلى أن الإسلاميين لم يُجَرّبوا بعد في السلطة، فإنهم يتمتعون بشعبية بين الناس في حين أن باقي الأيدولوجيات جُرّبت وأثبتت عدم نجاحها.
ويشير (فولر) إلى أن الصراع بين الأصوليين والمعتدلين ما زال في بداياته، وهو ما أنتج هذا التدرج الكبير عبر الطيف الإسلامي. وبالرغم من أن الأصولية ليست بالشيء الجديد إلا أن الضغوط السلبية محلياً وعالمياً على المجتمعات المسلمة من شأنها أن تعزّز من ردة الفعل الحضارية بالعودة نحو الأصول، بمعنى أن الأصولية الإسلامية ستجد تربة خصبة في أوساط البيئات ذات الظروف المعيشية والاجتماعية القاسية في العالم الإسلامي.
وفيما يتعلق بالمعطيات الدولية وما يحدث على المسرح السياسي العالمي من تداعيات لتيار العولمة الطاغي، فالإسلاميون في موقفهم وتعاطيهم مع هذا التوجه العالمي لا يختلف كثيراً عن العديد من الحركات التحرّرية والوطنية في العالم الثالث سواء تلك في أمريكا اللاتينية أو في أفريقيا أو في شرق آسيا، غير أن هذه الحركة التغييرية كغيرها مضطرة للتعامل مع تحدي التحديث والتمدّن، وما ينجم عنه من تغييرات اجتماعية واقتصادية وسياسية. بحيث تعمل على رفع وطأة ضغوط الحياة المدنية وتقدّم إطاراً أخلاقياً وقيمياً عاماً يحافظ على التماسك والانضباط الاجتماعي، ولذلك يرفع الإسلاميون شعار العدالة الاجتماعية ضمن الإطار الاجتماعي التقليدي ويعارضون كل ما هو غربي وأمريكي.
الإسلام والإرهاب
بالرغم من أن الإسلام السياسي والحركات الإسلامية كانت دائماً تحت الضوء تحديداً لإنها ناشطة في واحدة من أهم بقاع العالم اقتصادياً وسياسياً، إلا أن الاهتمام تزايد بفهم ودراسة هذة الحركات بعد أحداث 11 سبتمبر، واللافت أن تداعيات هذة الأحداث، والتي أنتجت الحملة الدولية للحرب على الإرهاب أحدثت تعاطفاً شعبياً واسعاً مع أنصار بن لادن، ليس تأييداً للإرهاب كفعل، وإنما تأييداً للنيل من الغطرسة الأمريكية والأنظمة القمعية التي استغلت الحملة للانقضاض على معارضيها والتنكيل بهم بتهمة الانتماء لتنظيمات إرهابية.
وبالرغم من أن أفراد تلك الحركات المتطرفة قليلون بالمقارنة بتعداد العالم الإسلامي إلا أن الغالبية الصامتة التي تؤيد وتناصر هذة الحركات لمجرد أنها ترى فيها محاولة جريئة لتغيير واقع بائس، هي التي يجب أن تحظى باهتمام الغرب وفقاً لفولر. ذلك أن الاستياء والغضب اللذين يعتملان في أوساطها سيصنعان الأجيال القادمة من المتشدّدين لتخلف تلك القيادات والكوادر يتم القبض عليهم في الحملة الحالية.
لكن، هل الإسلام أو الانتماء للحركات الإسلامية ينتج بالضرورة أفراداً يميلون للعنف؟ أم أن المسألة تخضع لطبائع الأفراد والنزعات الشخصية؟ (فولر) الذي يطرح هذه التساؤلات يصرّ على أن الإسلام في أصله ليس دين عنف، وإنما دين سلام وعدل كغيره من الأديان.
وفي حين أن بعض الحركات تصمم على صياغة أفكار متطرّفة ومتشدّدة نرى حركات أخرى تنهج نهجاً معتدلاً وكلتاهما مرجعيتهما الإسلام. أما نزوع الأفراد نحو العنف فذاك يعود للفرد نفسه ودرجة غضبه وأسلوبه في التغيير، ومما لاشك فيه أن الظرف المعيشي في الشرق الأوسط والعالم الإسلامي ككل تجعل الفرد معبأ ابتداءً ومستفزاً قبل أي تعبئةٍ أيدولوجية. ولذا فإن الإسلام يبدو لكثيرين وسيلة مناسبة لإحداث فعل تغييري في واقعهم أكثر من غيرها.
الإسلام والغرب
لعل مسألة الإسلام والغرب هي أكثر القضايا الحاسمة في مستقبل الحركات الإسلامية. هل ما تنبّأ به صامويل هننغتون حقيقة واقعة وأن صدام الحضارات أمر لا مناص منه؟ أم أن هناك عوامل موضوعية تتسبب في الإحتكاك القائم بين الغرب والعالم الإسلامي؟
مما لا شك فيه أن العالم الإسلامي يتميز من بين باقي بقاع العالم غير الغربي بامتلاكه فلسفة وعقيدة شاملة ومتماسكة للحكم والقانون والمجتمع. الأمر الذي يتيح للإسلام السياسي استمداد أكبر مصادر قوته من محاولة تمثيل هذا البديل الحضاري في الحكم والاجتماع لمقابلة النموذج الغربي السائد.
من جانب آخر فإن ليس بالإمكان تناول الإحتكاك بين الغرب والعالم الإسلامي دون التطرق لمسألة قيام إسرائيل والدعم الغربي، ذلك أن إسرائيل -للعديد من العرب- رمز ونتيجة للحقبة الاستعمارية، وبقاء القضية الفلسطينية معلقة يُبقي مشاعر العداء للغرب متّقدة. فجميع المسلمين مستفزّون ومحبطون بسبب الاحتلال الإسرائيلي الظالم للضفة الغربية وغزة، ومع حضور وضع القدس في الصراع صار العالم الإسلامي يتعامل مع الصراع انطلاقاً من زاوية أن هناك مقدّسات في خطر. وستبقى العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب في هذا الوضع المتهاوي والمتدهور حتى يتم التوصل لتسوية عادلة بنظر الجميع.
إن الهوة اليوم بين الغرب والعالم الإسلامي كبيرة جداً، فالغرب وإن كان ليس مطالباً بتبني جميع قيم وأفكار المسلمين ولا الإسلاميين، إلا أنه لا بد له من تحري وفهم مصدر وطبيعة هذة الهوة القائمة وأن يعمد جدياً إلى معالجة هذا الأمر واحتوائه قبل أن يصل لحدّ التفجّر.
مستقبل الإسلام السياسي
من المتوقع في العقدين القادمين أن تتزايد الضغوطات على الحركات الإسلامية مع تحقيقها لمكاسب سياسية على امتداد العالم الإسلامي. وسُيتوقع من الحركات المعتدلة، والتي لن تلقى المزيد من تحدّيات الوجود والبقاء أن تقدّم للجمهور بعض الإجابات والحلول الفعّالة لمشاكل الواقع.
من جانب آخر ومع استمرار السياسات الخارجية الأمريكية على ما هي عليه وإصرارها على الحرب ضد الإرهاب بشكلها الحالي فإن العلاقة بين الإسلام والولايات المتحدة ستبقى في تدهور، وستتأجّج مشاعر العداء في العالم الإسلامي تجاه أمريكا بل وستتزايد العمليات التي تستهدف الأمريكيين؛ مما سُيبقي أمريكا في حالة تصادم مع العالم الإسلامي. وهذا سينعكس على الجبهة الداخلية؛ إذ ستتعزز حالة التوتر القائمة بين المسلمين في الغرب والمجتمع الغربي الأمر الذي سيهدّد حقوقهم المدنية، وفي الوقت ذاته تقوم الأنظمة في العالم الإسلامي بالتضييق وملاحقة الحركات والمنظمات الإسلامية مما سيدفع بالكثير منهم نحو التطرف. بل قد يشتّت الكثير من تلك الحركات عن الأهداف الأساسية التي قامت لإجلها؛ كبناء المجتمع المسلم سياسياً واقتصادياً وأخلاقياً وعسكرياً. إذ سينصب اهتمامها على الدفاع عن نفسها وربما الانتقام. الحركات الوحيدة التي قد تُبقي على شيء من التوازن والإعتدال وتصرف جُلّ جهدها نحو بناء نسيج اجتماعي متماسك وجو سياسي سليم هي تلك الموجودة في ظل أنظمة تحافظ على حد أدنى من الممارسة الديموقراطية.
سينزع الإسلاميون لدعم حركات التحرر والانفصال للأقليات المسلمة في الدول غير المسلمة مثل الشيشان وكشمير وغيرها. أما محلياً فإن الإسلاميين سيكونون من أهم أدوات الإصلاح والتغيير في مجتمعاتهم خاصةً تلك المنغلقة.
كتاب "مستقبل الإسلام السياسي" لـ(جراهام فولر) من الكتب القليلة التي تنظر لظاهرة الإسلام السياسي بقدر من الموضوعية، ففولر على خلاف غالبية الكتاب الغربيين وضع نفسة على نفس الأرضية الحضارية التي تقف عليها تلك الحركات وحاول دراستها وتقييمها من ذي المنظار متخلياً إلى درجة كبيرة عن المعايير والرؤية الغربية في تقييم الأمور، ونقول إلى درجة كبيرة؛ لأن (فولر) في محاكمته لأداء نموذج السودان وإيران بل حتى في رسمه للشكل الأمثل للحكم والسياسة الذي ينبغي أن تصبو إليه تلك الحركات لم يرى أفضل من الديموقراطية الغربية كنهاية مثلى، غافلاً أن الحضارات المتنوعة قادرة على إفراز نُظم تنسجم معها بصرف النظر عن شكلها، فالمطلوب هو الوصول لنظام سياسي يحقق الحكم الصالح الذي يضمن العدل والحرية للجميع.
وعلى ذلك علّق فولر لـ(الإسلام اليوم): مبدئياً أنا منفتح لئن يجد العالم الإسلامي نموذجه الخاص، ولكن كيف نحقق ذلك مؤسسياً. أقصد المجتمع الإسلامي وإرثه السياسي يضع قيمة وتركيزاً على مصداقية وصدق الحاكم ولكن كيف نؤسس لذلك، كيف نترجم مؤسّسياً ضوابط الحكم الصالح، وكيف يأتي شخص للحكم ويعزل منه. في حين أن النظام الديموقراطي مبني أنه لا يمكن أن تولي شخصاً وتسلمه بشكل مطلق الإدارة معتمداً على قيمه ومثله، وإنما تأخذ بعين الإعتبار أن البشر يفسدون وينحرفون، ولذلك هناك نظام ومؤسسة تمكن من التخلص من أولئك سلمياً. فالقضية: ماذا نفعل حين يأتي للسلطة حاكم غير عادل بنظر المحكومين؟ يبنغي أن يكون هناك نظام يمكّن المحكومين من تحقيق رغباتهم وطموحاتهم أو على الأقل أن يكون لها تأثيرودور في أداء الحاكم".
من جانب آخر (فولر) والذي يؤكد في أكثر من مكان من كتابه أن حالة العداء للغرب وأمريكا في العالم الإسلامي مرجعها بالأساس للتدخل الأمريكي بالشأن المحلي والسياسات الأمريكية في المنطقة، غير أنه يعود لأن يطرح شكلاً لهذا التدخل، وكأن العالم الإسلامي "قاصر" يحتاج من يدير له شوؤنه. (فولر) فسّر ذلك لـ(الإسلام اليوم) قائلاً: "في العالم الحقيقي الأقوياء يتدخلون بشوؤن الضعفاء وتلك حقيقة تاريخية، وهذا جزء من الطبيعة الإنسانية. وأظن حتى في حالة وجود أمريكا مسالمة ستبقى تتدخل ولو جزئياً، فالعالم الإسلامي يقع في بقعة تمتلك إمكانيات مالية ونفطية مهمة لسائر العالم. غير أنني أعتقد أن مشكلة العالم الإسلامي والعربي أنه ما زال شاباً، فبعض دوله لا يتجاوز عمرها السياسي الخمسين عاماً، ولم يُعطَ فرصته لينمو ويتطور وحده. ولا أظن في المقابل أيضاً أن الأنظمة الملكية أو الحكام المنتخبين للأبد سيساعد أو يحل المشكلة. لكنني أعتقد أن الولايات المتحدة يمكنها أن تقدم الكثير في مجالي التعليم والصحة، وهذه مجالات مهمة ومفيدة للعالم الإسلامي، وهناك مؤسسات تعليمية كالجامعة الأمريكية في القاهرة، وتلك التي في بيروت وغيرها أدّت أدواراً مهمة ولم يُنظر لها على أنها مؤسسات استعمارية.
أظن أن أمريكا ينبغي أن ينصبّ جهدها ليس فقط على كسب الأصدقاء والحلفاء، وإنما مساعدة الدول على النمو والتوقف عن التدخل في الشأن السياسي. فما تقوم به الولايات المتحدة في سياساتها الخارجية ما هو إلا خيانة لقيمها المحلية".
وعن رؤيته لشكل وتطور دور الإسلام على المسرح السياسي فيقول (فولر): " لا أستطيع القول إن الدين لا يمكن له التأثير على السياسة، أو أنه لا يمكن السماح له بذلك، ولكن أظن أن التسوية الأمريكية والأوروبية في هذا الإطار هي الأنسب. بمعنى إن كان هناك قيم أخلاقية يؤمن بها فريق من الأمة فيجب تضمينها في السياسة ،ومحاولة عكسها على شكل تشريعات دون إلغاء حق الآخرين في محاولة ممارسة نفس التأثير لتضمين ما يؤمنون به".

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق