سيرة عبد الجبار لوزير - شهية الطبخ المغربي
7

سيرة عبد الجبار لوزير

مُساهمة م
حياة في ثلاث طلقات و نكتة وحلم كبير
ولدت وفي يدي ريشة
عبد الجبار لوزير ، ما الذي يتجمع تحت هذا الإسم ؟ و مالذي ينتشر خلف هذه
الشهرة التي لازمته لعقود طويلة ؟ إنه حفر في أعماق فرح أبهج قلوب
المغاربة في وقت أحزنتهم فيه السياسة كثيرا، بقساوتها و دمويتها ، و حماس
مرحلة خاب في واجهة السياسة ففجر نفسه في الفن ..
إنه مغامرة نسجت
نفسها من خيوط متشابكة لصدف ماكرة و جميلة و مفارقات توترت في قلب سؤال
اخترق تاريخا متوثبا،انطلقت بدهشة جامع الفنا و امتدت بعبور من تحت إبط
الموت عدة مرات و مواجهة مشنقة الإعدام و إطلاق ثلاث رصاصات بهدوء في رأس
خائن بباب جهنم و قنبلة سينما مرحبا، لتجعل منه اختبارا للبطولة في مسرح
التاريخ قبل خشبة الفرجة ...
سيرة عبد الجبار لوزير هي سيرة مدينة .. مراكش التي سمعنا عنها ولم نعد
نراها .. هي كذلك سيرة لمة خفيفة ، كوكبة مضيئة من الفرح التلقائي و
البسيط، تقاطعت فيها أسماء كمحمد بلقاس و عبد السلام الشرايبي و المهدي
الأزدي و كبور الركيك و الشحيمة ... و سيرة جمهور باذخ بنشوة الحياة لم
تنل منه بعد كآبة الميولات الظلامية ، و قصة أسلوب في تشكيل تحفة اليومي
لشعب حالم و مضغوط.. ورغم كل شيء متحمس ...
إنها سيرة عصر ذهبي للفرجة
، للحاجة الجارفة للفرجة قبل أن تتشتت عيون الناس و أهوائهم بين الفضائيات
و دعاوى الحزن و أشرطة اليأس و الكآبة .
إنها سيرة حياة في ثلاث طلقات و نكتة و حلم كبير ...


لميلادي تاريخان، الأول الذي كان فعلا بدرب الكزا بمراكش المدينة قرب رياض
العروس سنة 1928 ، والثاني يوجد في وثائقي الادارية و يحمل سنة 1932
باختيار من والدي . نشأت في أسرة ميسورة . كان والدي خرازا ومن حرفته راكم
ثروة لابأس بها واقتنى أملاكا. وبعد ذلك تخلى عن الصناعة التقليدية ليتحول
إلى تربية الماشية و الفلاحة .
بعد ثلاث سنوات من ازديادي انتقلنا
الى درب بوطويل بالزاوية العباسية وبعده الى درب الشاوي بنفس الحومة الى
1957 ، حيث انتقلنا الى درب سيدي مسعود بسيدي بن سليمان، ثم الى درب
بونوار بقاعة بناهيض ومنه الى باب تغزاوت .
في طفولتي كنت شقيا جدا
. ذاك بالضبط ما أذكره من أيام الكُتاب، حيث دفعت بي شقاوتي مبكرا الى
عالم الحرفيين، بعيدا عن حياة التعلم والتلمذة .
تعود بي ذاكرتي الى
أجواء «الحضار» . الاطفال من فرط التعب والملل يتكاسلون وبعضهم يغط في نوم
عميق . كان «الطالب» يأمرنا بأن ندخل عودا صغيرا في أنف كل طفل يسرقه
النوم لكي يستيقظ . و كذلك فعلت مع أحد زملائي . وكانت الامور ستجري بشكل
عاد لولا أنني حشرت العود بقوة الى أن ثقبت أنفه، فلذت بالفرار من الكتاب
عندما رأيت الدماء تنزف من وجهه . فكان ذلك طلاقا بائنا بيني و بين الحضار
الذي لم أقض فيه سوى ثلاث سنوات، حفظت فيها خمسة أحزاب من القرآن إلى سورة
الرحمن . كنت حينها في الثامنة من عمري، حاول معي والدي لأعود الى الكتاب
بكل الوسائل من الترغيب و التحبيب الى الترهيب. لكنني رفضت بإصرار لأنني
لم أعد أطيق أجواءه.
كان عمري تسع سنوات حين التحقت بعالم الحرفيين
. أول حرفة طرقت بابها هي «تشكايريت» أي صناعة الحقائب التقليدية. كان
معلمي الاول فيها هو صهري المرحوم الحاج عبد القادر فورة بسوق الغسالين.
مكثت عنده الى أن تشربت أسرارها و تملكت تفاصيلها و اصبحت جارية بين
أصابعي كالماء. فطلب مني معلم آخر العمل معه . حينها كان تنظيم الحرفة
يمنع أن ينتقل «الصانع» من عند الحرفي الذي علمه الصنعة للعمل مع معلم آخر
إلا بإذنه . فاشتكى صهري من ذلك لأمين الطرقة الذي قضى بإعادتي اليه . و
هو ما لم أستسغه . فتركت «تشكايريت» كلها و لجأت «الى تشراطت» هذه الحرفة
كان لها شأن وقيمة في ذلك الزمان. ونشاطها هو صناعة الحبال. تدرجت في
مختلف مراحلها التي تبدأ بجمع «الشتب» ثم تحريك الناعورة ثم رداج و أخيرا
غزال . عندما بلغت مرحلة ترداجت وقع شنآن بيني وبين المعلم تركت مرة أخرى
على إثره تشراطت بكاملها لألتحق بتدباغت عند معلم يدعى الحاج عبد القادرمن
ابناء حي الزاوية العباسية .
في هذه الاجواء، اكتشفت سحر كرةالقدم .
عمري كان حينها 15 سنة والعالم كان في خصام مع نفسه . و الحرب تشتعل في
مناطق شاسعة منه و القنابل و الصواريخ تتهاوى فوق الرؤوس فتحصد أرواح
الملايين من سكانه و جنون النصر يدفع الانسانية الى حافة الانتحار. الوقت
كان سنة 1945 . و كنا يافعين مندفعين نحو الحياة . اليسر الذي كانت تعيشه
أسرتي جعلنا في مأمن من ضائقة الحرب . لم نكن نصطف في طوابير طويلة لنحصل
على زيت «صانكو» أو على السكر وغيره ، فوالدي كان فلاحا يعصر الزيت و يوفر
كل المواد اللازمة .
«كرة الشراوط»، أضحك كثيرا عندما أتذكر تلك
الأيام . فتنة اللعبة جعلتنا نحول أي شيء يوجد أمامنا ليصبح كرة نركض
خلفها . كنا نأخذ جوربا و نملأه بقطع القماش و نشرع في اللعب في أي مكان .
دروب الزاوية تشهد على هذه الأيام . أقدامنا كانت تتورم من فرط الجري و
قذف الكرة و المراوغة فوق أرضية صلبة مليئة بالحجارة و التراب . كنا مرة
نقذف الكرة و مرة نضرب الأرض . تدمى أصابع أرجلنا ، نتألم و نفرح و نستمر
. سحر اللعبة نال منا ..
رغم أن والدي ميسور الحال، لكنه كان يرفض
الخمول . كان يصر على أن أعتمد على نفسي و يقول «خاصك تدبر على رزقك بيدك
حتى تعرف بحقهم» يقصد طبعا النقود و المال . لذلك غامرت في تجارة جد صغيرة
. كنت أشتري صندوقا أو اثنين من « كرموس النصارى» و أعيد بيعهما بباب
تغزاوت . و عندما تظهر فاكهة العنب أو غيرها أقوم بنفس الشيء . فكنت اوفر
من ذلك هامشا صغيرا من الربح يكفيني لاحتياجاتي الخاصة، لكن معيشتي
اليومية كانت على حساب والدي من مأكل و مشرب ملبس و غيرها ...
إبان
الحماية أسس حزب الاستقلال عصبة لكرة القدم تضم كل فرق الاحياء التي
تتنافس على البطولة، التي أصبحت تتمتع بحماس شعبي و حيوية سرقت الاضواء من
الفرق التي ترعاها الحماية . كانت المقابلات تجرى بالمشور بعدما سمح
المرحوم محمد الخامس بذلك . و بفعل حرارة المباريات و الاهتمام الجماهيري
الذي يلفها بدأ الكثير من اللاعبين المتألقين في فرق «كالصام» و «لايسيم»
يلتحق بالفرق المحلية بعصبة مراكش. تنبهت سلطات الحماية الى خطورة الأمر
وإلى برود الاهتمام الشعبي بالبطولة التي ترعاها فعمدت الى إدماج فريقين
من عصبة مراكش، هما فريق النجاح الذي أصبح فيما بعد يسمى بفريق الكوكب
المراكشي و فريق الهلال . كانت البداية للفريقين بالقسم الوطني الثالث.
وأذكر أن الكوكب حينها كان يتوفر على مجموعة من اللاعبين الموهوبين بأداء
ممتع يعز نظيره اليوم، و كانت تصل الى غاية مباراة السد بتفوق، لكنهم
يتعمدون إنزاله حتى لايتكرر سيناريو الوداد البيضاوي الذي سيطر على
البطولة و الكأس و كل المنافسات .
التحقت بالكوكب المراكشي في نفس
سنة تأسيسه عام 1947 في صفوف الفتيان . كنت ألعب كحارس مرمى . و كنا نجري
المباريات بملعب الحارثي الذي لم يكن حينها معشوشبا . فزنا ببطولة الفتيان
على صعيد مراكش في نفس السنة . أذكر بعض الأسماء التي صنعت هذا الحدث،
كاللاعب الصاهر أصله من آسفي و كان يتابع دراسته بثانوية محمد الخامس بباب
غمات، والعربي بومعزة من حي القصبة و النجار ولد المعلم و بالرزوق و غيرهم
. وفي 1948 التحقت بفريق الشبان وبعدها بالكبار و بقيت ألعب في صفوف
الكوكب الى أن حصل المغرب على الاستقلال، فأسسنا فريق العلم الذي كانت
غالبية لاعبيه من أبناء حومة الزاوية العباسية . لتبدأ مغامرة دامت ثلاث
سنوات مليئة بالطرائف . لعبنا في القسم الثاني ووصلنا الى المباراة
النهائية المؤهلة للصعود للقسم الاول و فاز فيها فريق الفتح و حقق الصعود
.
لم يكن لفريق العلم، إمكانيات مادية كافية . كنا نعتمد على
وسائلنا الذاتية وعلى دعم بعض العاطفين . عندما نسافر للعب خارج الميدان
كنا نهيئ «الطناجي»، و يتكفل بعض الغيورين بنقلنا على متن سياراتهم كمولاي
بوبكر السرسار. أنهكنا ضعف الامكانيات و شح الوسائل، فبدأنا نفكر في حل
الفريق. الكوكب بدوره أغرى أجود لاعبي العلم كمحمد بن الصالح و كريمبة و
المنصوري و احميمة للعب في صفوفه . فقررنا التخلي عن منافسات البطولة
وإنهاء مسار الفريق ليعوضه فيها فريق الجيش الملكي. فكانت نهاية حلم جميل
لأستأنف حلما آخر . فمن يشعر بالملل من مغامرة الحياة فقير الخيال .









الحياة سينما
كتبها: عبد الصمد الكباص
«المش».
نعم هكذا كان يدعى. لا يظهر بساحة جامع الفنا إلا بعد منتصف الليل، تلتئم
حلقته حول نكتة كبيرة، يسخر من كل شيء ويركب في كلامه مشاهد سوريالية
مليئة بالمفارقات المضحكة. كنت أقصد حلقته ومنه استلهمت جزءا مهما من منطق
الفكاهة.حديثه من بدايته الى نهايته نهر متدفق من النكت والحوارات التي
ينسجها، تُدخل جمهوره في صلب دوامة لا مخرج منها من الضحك.. كانت له نكهته
الخاصة في الخفة..
في ذلك الوقت لا مجال لمغادرة جامع الفنا لوحدك.
لذلك كان المتوجهون الى القصبة يتجمعون قرب البريد والقاصدون الزاوية
وأسول يتجمعون قرب صهريج يستعمل لغسل الثياب لينطلقوا إلى أحياء سكنهم
جماعات جماعات.
الحياة بالساحة كانت مسترسلة اليوم بكامله، من الصباح
الى الصباح، إنها وجبة مفتوحة من المتع التي تخاطب حواس الناس. لم تكن
الكهرباء العمومية قد غزتها بنورها بعد. لذلك كانت القناديل و«اللمبات»
تنتشر مكسرة الصفحة الصقيلة لظلامها. لكل وقت حلقاته ورواده بالليل كما
بالنهار. في ذلك الزمان كانت الساحة منطلق حافلات الركاب، وكان البعض منها
ينطلق في وقت متأخر من الليل، لذلك كان المسافرون يقضون وقتهم بين الحلقات
الى أن يحين موعد سفرهم..
يظهر فوج من الحلايقية من الصباح حتى الظهر،
وفوج آخر يختفي بعد العصر وآخر يأتي عند المغرب. وآخر لا يظهر إلا بعد
منتصف الليل وهكذا.. أما باعة المأكولات فكانوا ينتشرون أينما اتفق بفضاء
الساحة يضعون على الارض قدورهم المملوءة بالبيصرة والحريرة والبربوش
وباولو....
قبل التحاقي بفرقة الاطلس التي يرأسها مولاي عبد الواحد
حسنين، لم أكن قد شاهدت عرضا مسرحيا من قبل. زار يوسف وهبي بك وفرقته
مراكش بدعوة من الباشا الكلاوي، وقدم عرضا مسرحيا بمسرح الحارثي وبمبروكة،
لكنه لم يكن متاحا للشعب. لأن الكلاوي وزع الدعوات على الأعيان فقط.
بجنان
الحارثي كان لمراكش مسرحها. قاعة حقيقية للعرض. أذكر تفاصيلها جيدا لأنني
مثلت على خشبتها. تنتصب ببهاء خلف القاعة الزجاجية. فضاؤها متأنق بغلاف
خشبي كما كان عليه الامر في مسرح الدار البيضاء. آخر مرة لعبت في مسرح
الحارثي فيه، قدمنا عرضا لمسرحية «الفاطمي والضاوية» وفي اليوم الموالي
أحرق عن آخره. ليكون ذلك بداية لتشريد المسرح في القاعات السينمائية لعقود
طويلة..
التهمت السينما خيالي أيام طفولتي ومراهقتي. لم يكن حينها لا
تلفزيون ولا فضائيات ولا فيديو ولا ديفيدي.. تفرجت بسينما مبروكة وبلاس
واللوكس والريجان والقنارية (إيدن)..لم أذكر قط أن أسرتي ذهبت الى
السينما. والدي كان مشغولا بمهنته كخراز صاحب ورشة كبيرة لصناعة «البلغة»
التي كان يصدرها الى دكار بالسينغال وبعدها تعاطى للفلاحة..
أول مرة
أذهب فيها الى السينما كنت طفلا صغيرا لا يجرؤ على تجاوز باب البيت. وفي
أقصى المغامرات أصل عند الفران وأعود مسرعا. صحبني أخي الاكبر الى سينا
بلاس. ولأنني لم أتجاوز قط حدود الزاوية بمراكش العتيقة، كنت مشدوها من
منظر المنازل الجديدة بجليز والطرق المنتظمة والشوارع المرتبة في
تقاطعاتها. أنا الذي ألفت عيناي المنازل الطينية داخل السور والدروب
الملتوية والصابات المراوغة والممرات الضيقة... مازلت أذكر عنوان الفيلم
المصري الذي شاهدته ذلك اليوم: «مجنون كروان» الذي استقرت تفاصيله في
مخيلتي، أثر في كثيرا. واستغرق ذاكرتي الصغيرة لسنوات. لأنني لم أعد الى
السينما ثانية إلا بعد أن كبرت وصار بإمكاني أن أرافق أصدقائي إلى
القنارية. كان الفصل صيفا، لذلك تابعنا الشريط الفرنسي «كاري كوبر» بقاعة
الهواء الطلق. أما في الشتاء فيكون العرض في قاعة مسقوفة.
الفيلم
الحقيقي يبدأ عندما نغادر السينما. تنتعش صوره في ذاكرتنا وتنبعث في
كلامنا وتتطور أحداثه في ما نحكيه عنه لزملائنا. أما شخوصه فتصبح كائنات
حية أليفة بيننا نعرف دواخلها أحسن حتى من المخرج نفسه. لطالما تحدثنا
عنهم أكثر من حديثنا عن أنفسنا وحياتنا وعالمنا.
للسينما خطاب خاص
حينها. أقصد خطابنا نحن حولها. عندما نغادر القاعة نجد حشدا من عشاقها
متجمهرين عند الباب يمطروننا بالأسئلة عن طبيعة الشريط، إن كان جيدا يستحق
المشاهدة أم لا. إذا أعجبنا نجيبهم «الفيلم زين» وإذا لم يعجبنا نرد «وهو
هاد الفيلم والو... مبّتخ!».
كان إسماعيل ياسين، نجمي المفضل في الشاشة
الكبرى، عملاق الفكاهة العربية. كنت مفتونا بأدائه وبصدقه وهو يدخل البهجة
الى قلوب الملايين من المشاهدين العرب. والى جانبه فريد شوقي ومحمود
المليجي وعباس فارس.. أولئك العباقرة الذين لم يتكرر مثلهم لا في مصر ولا
في العالم العربي. ظهروا دفعة واحدة في زمن متقارب وشكلوا استثناء في
التاريخ وانسحبوا تباعا تاركين آثارهم الخالدة.
في أيام مراهقتي، أي في
الاربعينات، لم يكن يجرؤ على الذهاب الى السينما إلا «العزاوي» أو
«الفتوات» المتوائمين مع النزاعات والمشاجرات وعراك العضلات. أما اولاد
دارهم ،المؤدبون جدا، اللطفاء والمحتشمون، والذين لا يعرفون من العالم سوى
عطف الوالدين ونعومة الحياة ببيت الاسرة، فلم يكن باستطاعتهم المغامرة
بالذهاب إليها.
بل أكثر من ذلك الواحد منا لا يتجاسر على دخولها لوحده،
بل يقصدها بمعية ستة أو ثمانية من أبناء الحومة أو الرفاق للتدخل كلما دعت
الضرورة الى ذلك. فمشاهدة الافلام تنقلب في أية لحظة الى عراك ساخن. يكون
السبب في ذلك في أغلب الاحيان التعليقات التي تتقافز من أفواه المشاهدين
أثناء العرض. منطق الامور في هذه الحالة واضح. قد تنطق بكلمة، فتقاطعك
أصوات متعالية من عمق القاعة. إذا كان الرد منك لوحدك فمعنى ذلك أنك أعزل
وليس لك من يحميك، وان الحكرة مآلك في عتمة الصالة. أما إذا كان الرد
لجماعة فهم يتراجعون ويخلدون لهدوئهم، لأن ذلك يعني ان حصنك متين بمن
يرافقونك.
كنا نقصد السينما بالليل. وإذا أعجبني الفيلم أعود لمشاهدته
مرة أخرى أو مرتين. السينما كانت جنوننا البريء وفرحنا الخالص وحلمنا
الممتد بلا حدود..
للأمكنة بمراكش ذاكرة. مراكش الطفولة أقصد، تلك التي
لم يعد بوسع المراكشيين أن يروها اليوم. بباب دكالة مثلا وقبل فتح البابين
الكبيرين في سورها. كانت هناك قاعة سينما بالضبط. الصالة كانت عبارة عن
محل كبير لعرض الافلام الصامتة. لم تكن بها كراسي ولا مقاعدة. فقط الحصير
والذي كنا نصطف فوقه أمام الشاشة مذهولين بتلك الآلة التي تنتج ذلك العالم
المبهر بمجهود يدوي للرجل الذي يحرك المانيفيل العالق بها.
إيقاع
الفيلم يتغير حسب حركة يد الرجل فقد يسهو أو ينال منه التعب أو الكسل
فيتباطأ في إدارة المانيفيل ويتباطأ معه الشريط. فنأخذ في الصباح «وادور..
ودور...». وقد يسرع في ذلك فيتسارع معه مرور الصور فنصرخ «وتقل.. وتقل...»
وهكذا الى أن ينتهي العرض. كان ثمن الدخول فرنكين. وكان في زمنه جد باهظ.
هذه القاعة السينمائية كانت أيام عرصة الحامض، أي العرصة الحقيقية
بأشجارها وسورها. لم تبن حينها بعد لا المحكمة ولا البلدية ولا تمر الطرق
المؤدية الى الشوارع المحاذية.. الطريق الوحيد كان هو سويقة باب دكالة..
تحولت هذه القاعة بعد ذلك الى كراج للخشب قبل أن تتغير ملامح المكان
بكامله وتقلب رأسا على عقب..






سيرة عبد الجبار لوزير

سيرة عبد الجبار لوزير

مُساهمة م
حياة في ثلاث طلقات و نكتة وحلم كبير
ولدت وفي يدي ريشة
عبد الجبار لوزير ، ما الذي يتجمع تحت هذا الإسم ؟ و مالذي ينتشر خلف هذه
الشهرة التي لازمته لعقود طويلة ؟ إنه حفر في أعماق فرح أبهج قلوب
المغاربة في وقت أحزنتهم فيه السياسة كثيرا، بقساوتها و دمويتها ، و حماس
مرحلة خاب في واجهة السياسة ففجر نفسه في الفن ..
إنه مغامرة نسجت
نفسها من خيوط متشابكة لصدف ماكرة و جميلة و مفارقات توترت في قلب سؤال
اخترق تاريخا متوثبا،انطلقت بدهشة جامع الفنا و امتدت بعبور من تحت إبط
الموت عدة مرات و مواجهة مشنقة الإعدام و إطلاق ثلاث رصاصات بهدوء في رأس
خائن بباب جهنم و قنبلة سينما مرحبا، لتجعل منه اختبارا للبطولة في مسرح
التاريخ قبل خشبة الفرجة ...
سيرة عبد الجبار لوزير هي سيرة مدينة .. مراكش التي سمعنا عنها ولم نعد
نراها .. هي كذلك سيرة لمة خفيفة ، كوكبة مضيئة من الفرح التلقائي و
البسيط، تقاطعت فيها أسماء كمحمد بلقاس و عبد السلام الشرايبي و المهدي
الأزدي و كبور الركيك و الشحيمة ... و سيرة جمهور باذخ بنشوة الحياة لم
تنل منه بعد كآبة الميولات الظلامية ، و قصة أسلوب في تشكيل تحفة اليومي
لشعب حالم و مضغوط.. ورغم كل شيء متحمس ...
إنها سيرة عصر ذهبي للفرجة
، للحاجة الجارفة للفرجة قبل أن تتشتت عيون الناس و أهوائهم بين الفضائيات
و دعاوى الحزن و أشرطة اليأس و الكآبة .
إنها سيرة حياة في ثلاث طلقات و نكتة و حلم كبير ...


لميلادي تاريخان، الأول الذي كان فعلا بدرب الكزا بمراكش المدينة قرب رياض
العروس سنة 1928 ، والثاني يوجد في وثائقي الادارية و يحمل سنة 1932
باختيار من والدي . نشأت في أسرة ميسورة . كان والدي خرازا ومن حرفته راكم
ثروة لابأس بها واقتنى أملاكا. وبعد ذلك تخلى عن الصناعة التقليدية ليتحول
إلى تربية الماشية و الفلاحة .
بعد ثلاث سنوات من ازديادي انتقلنا
الى درب بوطويل بالزاوية العباسية وبعده الى درب الشاوي بنفس الحومة الى
1957 ، حيث انتقلنا الى درب سيدي مسعود بسيدي بن سليمان، ثم الى درب
بونوار بقاعة بناهيض ومنه الى باب تغزاوت .
في طفولتي كنت شقيا جدا
. ذاك بالضبط ما أذكره من أيام الكُتاب، حيث دفعت بي شقاوتي مبكرا الى
عالم الحرفيين، بعيدا عن حياة التعلم والتلمذة .
تعود بي ذاكرتي الى
أجواء «الحضار» . الاطفال من فرط التعب والملل يتكاسلون وبعضهم يغط في نوم
عميق . كان «الطالب» يأمرنا بأن ندخل عودا صغيرا في أنف كل طفل يسرقه
النوم لكي يستيقظ . و كذلك فعلت مع أحد زملائي . وكانت الامور ستجري بشكل
عاد لولا أنني حشرت العود بقوة الى أن ثقبت أنفه، فلذت بالفرار من الكتاب
عندما رأيت الدماء تنزف من وجهه . فكان ذلك طلاقا بائنا بيني و بين الحضار
الذي لم أقض فيه سوى ثلاث سنوات، حفظت فيها خمسة أحزاب من القرآن إلى سورة
الرحمن . كنت حينها في الثامنة من عمري، حاول معي والدي لأعود الى الكتاب
بكل الوسائل من الترغيب و التحبيب الى الترهيب. لكنني رفضت بإصرار لأنني
لم أعد أطيق أجواءه.
كان عمري تسع سنوات حين التحقت بعالم الحرفيين
. أول حرفة طرقت بابها هي «تشكايريت» أي صناعة الحقائب التقليدية. كان
معلمي الاول فيها هو صهري المرحوم الحاج عبد القادر فورة بسوق الغسالين.
مكثت عنده الى أن تشربت أسرارها و تملكت تفاصيلها و اصبحت جارية بين
أصابعي كالماء. فطلب مني معلم آخر العمل معه . حينها كان تنظيم الحرفة
يمنع أن ينتقل «الصانع» من عند الحرفي الذي علمه الصنعة للعمل مع معلم آخر
إلا بإذنه . فاشتكى صهري من ذلك لأمين الطرقة الذي قضى بإعادتي اليه . و
هو ما لم أستسغه . فتركت «تشكايريت» كلها و لجأت «الى تشراطت» هذه الحرفة
كان لها شأن وقيمة في ذلك الزمان. ونشاطها هو صناعة الحبال. تدرجت في
مختلف مراحلها التي تبدأ بجمع «الشتب» ثم تحريك الناعورة ثم رداج و أخيرا
غزال . عندما بلغت مرحلة ترداجت وقع شنآن بيني وبين المعلم تركت مرة أخرى
على إثره تشراطت بكاملها لألتحق بتدباغت عند معلم يدعى الحاج عبد القادرمن
ابناء حي الزاوية العباسية .
في هذه الاجواء، اكتشفت سحر كرةالقدم .
عمري كان حينها 15 سنة والعالم كان في خصام مع نفسه . و الحرب تشتعل في
مناطق شاسعة منه و القنابل و الصواريخ تتهاوى فوق الرؤوس فتحصد أرواح
الملايين من سكانه و جنون النصر يدفع الانسانية الى حافة الانتحار. الوقت
كان سنة 1945 . و كنا يافعين مندفعين نحو الحياة . اليسر الذي كانت تعيشه
أسرتي جعلنا في مأمن من ضائقة الحرب . لم نكن نصطف في طوابير طويلة لنحصل
على زيت «صانكو» أو على السكر وغيره ، فوالدي كان فلاحا يعصر الزيت و يوفر
كل المواد اللازمة .
«كرة الشراوط»، أضحك كثيرا عندما أتذكر تلك
الأيام . فتنة اللعبة جعلتنا نحول أي شيء يوجد أمامنا ليصبح كرة نركض
خلفها . كنا نأخذ جوربا و نملأه بقطع القماش و نشرع في اللعب في أي مكان .
دروب الزاوية تشهد على هذه الأيام . أقدامنا كانت تتورم من فرط الجري و
قذف الكرة و المراوغة فوق أرضية صلبة مليئة بالحجارة و التراب . كنا مرة
نقذف الكرة و مرة نضرب الأرض . تدمى أصابع أرجلنا ، نتألم و نفرح و نستمر
. سحر اللعبة نال منا ..
رغم أن والدي ميسور الحال، لكنه كان يرفض
الخمول . كان يصر على أن أعتمد على نفسي و يقول «خاصك تدبر على رزقك بيدك
حتى تعرف بحقهم» يقصد طبعا النقود و المال . لذلك غامرت في تجارة جد صغيرة
. كنت أشتري صندوقا أو اثنين من « كرموس النصارى» و أعيد بيعهما بباب
تغزاوت . و عندما تظهر فاكهة العنب أو غيرها أقوم بنفس الشيء . فكنت اوفر
من ذلك هامشا صغيرا من الربح يكفيني لاحتياجاتي الخاصة، لكن معيشتي
اليومية كانت على حساب والدي من مأكل و مشرب ملبس و غيرها ...
إبان
الحماية أسس حزب الاستقلال عصبة لكرة القدم تضم كل فرق الاحياء التي
تتنافس على البطولة، التي أصبحت تتمتع بحماس شعبي و حيوية سرقت الاضواء من
الفرق التي ترعاها الحماية . كانت المقابلات تجرى بالمشور بعدما سمح
المرحوم محمد الخامس بذلك . و بفعل حرارة المباريات و الاهتمام الجماهيري
الذي يلفها بدأ الكثير من اللاعبين المتألقين في فرق «كالصام» و «لايسيم»
يلتحق بالفرق المحلية بعصبة مراكش. تنبهت سلطات الحماية الى خطورة الأمر
وإلى برود الاهتمام الشعبي بالبطولة التي ترعاها فعمدت الى إدماج فريقين
من عصبة مراكش، هما فريق النجاح الذي أصبح فيما بعد يسمى بفريق الكوكب
المراكشي و فريق الهلال . كانت البداية للفريقين بالقسم الوطني الثالث.
وأذكر أن الكوكب حينها كان يتوفر على مجموعة من اللاعبين الموهوبين بأداء
ممتع يعز نظيره اليوم، و كانت تصل الى غاية مباراة السد بتفوق، لكنهم
يتعمدون إنزاله حتى لايتكرر سيناريو الوداد البيضاوي الذي سيطر على
البطولة و الكأس و كل المنافسات .
التحقت بالكوكب المراكشي في نفس
سنة تأسيسه عام 1947 في صفوف الفتيان . كنت ألعب كحارس مرمى . و كنا نجري
المباريات بملعب الحارثي الذي لم يكن حينها معشوشبا . فزنا ببطولة الفتيان
على صعيد مراكش في نفس السنة . أذكر بعض الأسماء التي صنعت هذا الحدث،
كاللاعب الصاهر أصله من آسفي و كان يتابع دراسته بثانوية محمد الخامس بباب
غمات، والعربي بومعزة من حي القصبة و النجار ولد المعلم و بالرزوق و غيرهم
. وفي 1948 التحقت بفريق الشبان وبعدها بالكبار و بقيت ألعب في صفوف
الكوكب الى أن حصل المغرب على الاستقلال، فأسسنا فريق العلم الذي كانت
غالبية لاعبيه من أبناء حومة الزاوية العباسية . لتبدأ مغامرة دامت ثلاث
سنوات مليئة بالطرائف . لعبنا في القسم الثاني ووصلنا الى المباراة
النهائية المؤهلة للصعود للقسم الاول و فاز فيها فريق الفتح و حقق الصعود
.
لم يكن لفريق العلم، إمكانيات مادية كافية . كنا نعتمد على
وسائلنا الذاتية وعلى دعم بعض العاطفين . عندما نسافر للعب خارج الميدان
كنا نهيئ «الطناجي»، و يتكفل بعض الغيورين بنقلنا على متن سياراتهم كمولاي
بوبكر السرسار. أنهكنا ضعف الامكانيات و شح الوسائل، فبدأنا نفكر في حل
الفريق. الكوكب بدوره أغرى أجود لاعبي العلم كمحمد بن الصالح و كريمبة و
المنصوري و احميمة للعب في صفوفه . فقررنا التخلي عن منافسات البطولة
وإنهاء مسار الفريق ليعوضه فيها فريق الجيش الملكي. فكانت نهاية حلم جميل
لأستأنف حلما آخر . فمن يشعر بالملل من مغامرة الحياة فقير الخيال .









الحياة سينما
كتبها: عبد الصمد الكباص
«المش».
نعم هكذا كان يدعى. لا يظهر بساحة جامع الفنا إلا بعد منتصف الليل، تلتئم
حلقته حول نكتة كبيرة، يسخر من كل شيء ويركب في كلامه مشاهد سوريالية
مليئة بالمفارقات المضحكة. كنت أقصد حلقته ومنه استلهمت جزءا مهما من منطق
الفكاهة.حديثه من بدايته الى نهايته نهر متدفق من النكت والحوارات التي
ينسجها، تُدخل جمهوره في صلب دوامة لا مخرج منها من الضحك.. كانت له نكهته
الخاصة في الخفة..
في ذلك الوقت لا مجال لمغادرة جامع الفنا لوحدك.
لذلك كان المتوجهون الى القصبة يتجمعون قرب البريد والقاصدون الزاوية
وأسول يتجمعون قرب صهريج يستعمل لغسل الثياب لينطلقوا إلى أحياء سكنهم
جماعات جماعات.
الحياة بالساحة كانت مسترسلة اليوم بكامله، من الصباح
الى الصباح، إنها وجبة مفتوحة من المتع التي تخاطب حواس الناس. لم تكن
الكهرباء العمومية قد غزتها بنورها بعد. لذلك كانت القناديل و«اللمبات»
تنتشر مكسرة الصفحة الصقيلة لظلامها. لكل وقت حلقاته ورواده بالليل كما
بالنهار. في ذلك الزمان كانت الساحة منطلق حافلات الركاب، وكان البعض منها
ينطلق في وقت متأخر من الليل، لذلك كان المسافرون يقضون وقتهم بين الحلقات
الى أن يحين موعد سفرهم..
يظهر فوج من الحلايقية من الصباح حتى الظهر،
وفوج آخر يختفي بعد العصر وآخر يأتي عند المغرب. وآخر لا يظهر إلا بعد
منتصف الليل وهكذا.. أما باعة المأكولات فكانوا ينتشرون أينما اتفق بفضاء
الساحة يضعون على الارض قدورهم المملوءة بالبيصرة والحريرة والبربوش
وباولو....
قبل التحاقي بفرقة الاطلس التي يرأسها مولاي عبد الواحد
حسنين، لم أكن قد شاهدت عرضا مسرحيا من قبل. زار يوسف وهبي بك وفرقته
مراكش بدعوة من الباشا الكلاوي، وقدم عرضا مسرحيا بمسرح الحارثي وبمبروكة،
لكنه لم يكن متاحا للشعب. لأن الكلاوي وزع الدعوات على الأعيان فقط.
بجنان
الحارثي كان لمراكش مسرحها. قاعة حقيقية للعرض. أذكر تفاصيلها جيدا لأنني
مثلت على خشبتها. تنتصب ببهاء خلف القاعة الزجاجية. فضاؤها متأنق بغلاف
خشبي كما كان عليه الامر في مسرح الدار البيضاء. آخر مرة لعبت في مسرح
الحارثي فيه، قدمنا عرضا لمسرحية «الفاطمي والضاوية» وفي اليوم الموالي
أحرق عن آخره. ليكون ذلك بداية لتشريد المسرح في القاعات السينمائية لعقود
طويلة..
التهمت السينما خيالي أيام طفولتي ومراهقتي. لم يكن حينها لا
تلفزيون ولا فضائيات ولا فيديو ولا ديفيدي.. تفرجت بسينما مبروكة وبلاس
واللوكس والريجان والقنارية (إيدن)..لم أذكر قط أن أسرتي ذهبت الى
السينما. والدي كان مشغولا بمهنته كخراز صاحب ورشة كبيرة لصناعة «البلغة»
التي كان يصدرها الى دكار بالسينغال وبعدها تعاطى للفلاحة..
أول مرة
أذهب فيها الى السينما كنت طفلا صغيرا لا يجرؤ على تجاوز باب البيت. وفي
أقصى المغامرات أصل عند الفران وأعود مسرعا. صحبني أخي الاكبر الى سينا
بلاس. ولأنني لم أتجاوز قط حدود الزاوية بمراكش العتيقة، كنت مشدوها من
منظر المنازل الجديدة بجليز والطرق المنتظمة والشوارع المرتبة في
تقاطعاتها. أنا الذي ألفت عيناي المنازل الطينية داخل السور والدروب
الملتوية والصابات المراوغة والممرات الضيقة... مازلت أذكر عنوان الفيلم
المصري الذي شاهدته ذلك اليوم: «مجنون كروان» الذي استقرت تفاصيله في
مخيلتي، أثر في كثيرا. واستغرق ذاكرتي الصغيرة لسنوات. لأنني لم أعد الى
السينما ثانية إلا بعد أن كبرت وصار بإمكاني أن أرافق أصدقائي إلى
القنارية. كان الفصل صيفا، لذلك تابعنا الشريط الفرنسي «كاري كوبر» بقاعة
الهواء الطلق. أما في الشتاء فيكون العرض في قاعة مسقوفة.
الفيلم
الحقيقي يبدأ عندما نغادر السينما. تنتعش صوره في ذاكرتنا وتنبعث في
كلامنا وتتطور أحداثه في ما نحكيه عنه لزملائنا. أما شخوصه فتصبح كائنات
حية أليفة بيننا نعرف دواخلها أحسن حتى من المخرج نفسه. لطالما تحدثنا
عنهم أكثر من حديثنا عن أنفسنا وحياتنا وعالمنا.
للسينما خطاب خاص
حينها. أقصد خطابنا نحن حولها. عندما نغادر القاعة نجد حشدا من عشاقها
متجمهرين عند الباب يمطروننا بالأسئلة عن طبيعة الشريط، إن كان جيدا يستحق
المشاهدة أم لا. إذا أعجبنا نجيبهم «الفيلم زين» وإذا لم يعجبنا نرد «وهو
هاد الفيلم والو... مبّتخ!».
كان إسماعيل ياسين، نجمي المفضل في الشاشة
الكبرى، عملاق الفكاهة العربية. كنت مفتونا بأدائه وبصدقه وهو يدخل البهجة
الى قلوب الملايين من المشاهدين العرب. والى جانبه فريد شوقي ومحمود
المليجي وعباس فارس.. أولئك العباقرة الذين لم يتكرر مثلهم لا في مصر ولا
في العالم العربي. ظهروا دفعة واحدة في زمن متقارب وشكلوا استثناء في
التاريخ وانسحبوا تباعا تاركين آثارهم الخالدة.
في أيام مراهقتي، أي في
الاربعينات، لم يكن يجرؤ على الذهاب الى السينما إلا «العزاوي» أو
«الفتوات» المتوائمين مع النزاعات والمشاجرات وعراك العضلات. أما اولاد
دارهم ،المؤدبون جدا، اللطفاء والمحتشمون، والذين لا يعرفون من العالم سوى
عطف الوالدين ونعومة الحياة ببيت الاسرة، فلم يكن باستطاعتهم المغامرة
بالذهاب إليها.
بل أكثر من ذلك الواحد منا لا يتجاسر على دخولها لوحده،
بل يقصدها بمعية ستة أو ثمانية من أبناء الحومة أو الرفاق للتدخل كلما دعت
الضرورة الى ذلك. فمشاهدة الافلام تنقلب في أية لحظة الى عراك ساخن. يكون
السبب في ذلك في أغلب الاحيان التعليقات التي تتقافز من أفواه المشاهدين
أثناء العرض. منطق الامور في هذه الحالة واضح. قد تنطق بكلمة، فتقاطعك
أصوات متعالية من عمق القاعة. إذا كان الرد منك لوحدك فمعنى ذلك أنك أعزل
وليس لك من يحميك، وان الحكرة مآلك في عتمة الصالة. أما إذا كان الرد
لجماعة فهم يتراجعون ويخلدون لهدوئهم، لأن ذلك يعني ان حصنك متين بمن
يرافقونك.
كنا نقصد السينما بالليل. وإذا أعجبني الفيلم أعود لمشاهدته
مرة أخرى أو مرتين. السينما كانت جنوننا البريء وفرحنا الخالص وحلمنا
الممتد بلا حدود..
للأمكنة بمراكش ذاكرة. مراكش الطفولة أقصد، تلك التي
لم يعد بوسع المراكشيين أن يروها اليوم. بباب دكالة مثلا وقبل فتح البابين
الكبيرين في سورها. كانت هناك قاعة سينما بالضبط. الصالة كانت عبارة عن
محل كبير لعرض الافلام الصامتة. لم تكن بها كراسي ولا مقاعدة. فقط الحصير
والذي كنا نصطف فوقه أمام الشاشة مذهولين بتلك الآلة التي تنتج ذلك العالم
المبهر بمجهود يدوي للرجل الذي يحرك المانيفيل العالق بها.
إيقاع
الفيلم يتغير حسب حركة يد الرجل فقد يسهو أو ينال منه التعب أو الكسل
فيتباطأ في إدارة المانيفيل ويتباطأ معه الشريط. فنأخذ في الصباح «وادور..
ودور...». وقد يسرع في ذلك فيتسارع معه مرور الصور فنصرخ «وتقل.. وتقل...»
وهكذا الى أن ينتهي العرض. كان ثمن الدخول فرنكين. وكان في زمنه جد باهظ.
هذه القاعة السينمائية كانت أيام عرصة الحامض، أي العرصة الحقيقية
بأشجارها وسورها. لم تبن حينها بعد لا المحكمة ولا البلدية ولا تمر الطرق
المؤدية الى الشوارع المحاذية.. الطريق الوحيد كان هو سويقة باب دكالة..
تحولت هذه القاعة بعد ذلك الى كراج للخشب قبل أن تتغير ملامح المكان
بكامله وتقلب رأسا على عقب..